الاثنين، 8 سبتمبر 2014

معاذ الله أن يُشَرِّعَ الإسلامُ للظلمَ والاستبداد



من مقاصد الشرائع الإلهية كلِّها تحقيق العدل، ومنع الظلم..
ومن مقاصد جميع الشرائع كذلك حفظ مصالح العباد في المعاش والمعاد، وفي الدنيا والآخرة..
يقول الإمام ابن القيم: " فالشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالحِ العبادِ في المعاش والمعاد، وهي عَدْلٌ كلُّها ورحمةٌ، ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أُدخِلت فيها بالتأويل، فالشريعة عَدْلُ اللهِ بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه " .
ولقد أجمع العلماء على أن الشريعة الإسلامية قد حافظت بكل حزم على خمس مصالح، وهي: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل.
وقد قالوا إنها مراعاة في كل ملة وفي كل شريعة.
فإذا جاء بعد هذا أحدٌ من أدعياء العلم وادّعى أن الإسلام يتسامح مع الحاكم إذا ضرب ظهورَ الناس، وانتهك حرمة أموالهم فلا التفات إلى قوله.
وإن ادعى أن هناك أحاديث تؤيد رأْيَه السقيم؛ فإن الخلل في سوء فهمه، وجهلِه بمنهج وقواعد التعامل مع نصوص القرآن والسنة، والتوفيق بينها، وحمْلِ بعضها على بعض.
ومعاذ الله أن يُقِرَّ الإسلامُ الظلمَ والاستبدادَ، وانتهاكَ حرمةِ الأنفسِ أو الأموالِ أو الأعراضِ، سواءٌ أكان هذا من قِبَل حاكمٍ أو محكوم، فضلا عن أن يُشَرِّع له .



يتعلق أدعياء العلم الذين يسوِّقون لنظرية الاستبداد السياسيِّ، والترويج لطاعة الحاكم المستبدّ والخنوع له، حتى وإن جَلَدَ الظهور، وانتهك حرمة الأموال؛ يتعلقون ببعض النصوص التي لم تسلم من طعن علماء السنة الثقات فيها.
ولو سلمنا بصحة ما تمسكوا به وهو زيادةٌ يتيمة في بعض روايات حديث حذيفة الذي سأل فيه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشر مفادها ـ على اختلاف الألفاظ ـ التزام طاعة الخليفة في وقت الفتن وإن جلد ظهر المرء وأخذ ماله !!!
وبعيدا عن الخوض في شأن القيمة العلمية لمثل هذه الروايات في ميزان المنهج النقدي عند المحدّثين، الذي لا تتسع له هذه المساحة؛ فإن مثل هذه الروايات تعارض النصوص الراسخة بل المتواترة الصريحة، والمقاصد الشرعية المحكمة، وصحيح المعقول ..
ويكفي أن نذكِّر بما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم في أخريات أيامه، في حجة الوداع من تأكيده على حرمة الدماء والأموال والأعراض، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وأعراضكم عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا" .
وكذلك فإن الضروريات الخمس التي جاءت الشرائع الإلهية كلها برعايتها وصيانتها هي: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل.
ثم إن الشريعة لم تستثنِ أحدا من الالتزام برعاية هذه المصالح لا حاكما ولا محكوما.
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الناس قبيل وفاته وصَعِد المنبر، وقال: " ... فَمَنْ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضًا فَهَذَا عِرْضِي، فَلْيَسْتَقِدْ مِنْهُ، وَمَنْ ضَرَبْتُ لَهُ ظَهْرًا فَهَذَا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنْهُ، وَمَنْ أَخَذْتُ لَهُ مَالًا فَهَذَا مَالِي فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي أَتَخَوَّفُ الشَّحْنَاءَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا، وَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ طَبِيعَتِي، وَلَا مِنْ خُلُقِي، وَإِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ مَنْ أَخَذَ حَقًّا إِنْ كَانَ لَهُ، أَوْ حَلَّلَنِي فَلَقِيتُ رَبِّي، وَأَنَا طَيِّبُ النَّفْسِ».رواه عبد الرزاق والبزار والطبراني.
وهذا عمر بن الخطاب يؤكِّد على أن حرمات المحكومين مصونة؛ لا يجوز لأحد أن يعتديَ عليها؛ حتى ولو كان حاكما.
عَنْ أَبِي فِرَاسٍ، قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ عُمَّالِي لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ، وَلَا لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَكُمْ، فَمَنْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ فَلْيَرْفَعْهُ إِلَيَّ أُقِصُّهُ مِنْهُ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَدَّبَ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ أَتُقِصُّهُ مِنْهُ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أُقِصُّهُ [يعني: إذا كان التأديب بغير حق فإني آخذ له بالقصاص منه]، وَقَدْ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقََصَّ مِنْ نَفْسِهِ»، [ومعنى أقَصّ من نفسه: أي مكّن من آذاه من أن يُنْزِل بالنبي مثلَ الذي أَنْزلَه به].رواه أبو داود، وقال الأرنؤوط: إسناده حسن .
وأما انتصارُ عمرَ بنِ الخطابِ لابن القبطيِّ الذي ضربه ابنُ والي مصر " عمرو بن العاص " فقصته أشهر من أن تخفى


إن مما يدعو للعجب حقا أن يقوم بالترويج لاستبداد الحاكم ووجوب الخنوع له والانكسار أمام استباحته للحرمات التي كان الشرع حازما في حفظها والوقوف بكل السبل في وجه من يستبيحونها، أيًّا كانوا حكاما أم محكومين، العجب أن يُروِّج لهذا الفكر المنحط أناسٌ محسوبون على الدعوة والعلم، بل يكتبون في الحضارة الإسلامية ويتغنون بأمجادها !!!!
وأقول لهؤلاء:
=======
ألم تجدوا في مصادر الشريعة، وشروح أهل العلم، وسير أهل الإسلام إلا الخنوع للخليفة وإن جلد الظهور، وسلب الأموال؟؟؟
ألم تجدوا في القرآن الكريم:
===============
{ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(43) } . سورة الشورى.
{ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) }. سورة النساء .
ألم تجدوا في السنة النبوية:
================
عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَِ: أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ". رواه أحمد، وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: «فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: «قَاتِلْهُ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: «هُوَ فِي النَّارِ». رواه مسلم .
وعن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد". رواه أحمد، وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح.
ألم تجدوا في سير الخلفاء الراشدين المهديين:
==========================
أن أبا بكر رضي الله عنه لما حُمِّل أمانة الحُكم قال: فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، أطيعوني مَا أطعت الله ورسوله فيكم.
وأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قام مرة خطيبًا فقال: إن رأيتم فِيَّ اعوجاجًا فقوموني. فقام رجل من الحاضرين وقال: والله لو وجدنا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا فقال عمر: الحمد لله الذي جعل فِي الرعية من يُقوِّم اعوجاج عمر.
وأن رجلا قال له: اتق الله يا عمر، فأجابه أحد الحاضرين بقوله: أتقولون هذا لأمير المؤمنين، ولكن عمر نهره بتلك الكلمة وقال: لا خير فيكم إن لَمْ تقولوها ولا خير فينا إن لَمْ نسمعها.
ثم أقول لهؤلاء:
========
هل هذا الذي تدّعونه هو خلاصة التصور الإسلامي السياسي الذي نريد أن نُصِدّره للإنسانية، وننافس به الحضارة الغربية؟؟؟؟
أَيُعقَل أن تكون النظم الغربية حازمة في الحفاظ على الحقوق والحرمات، والحريات، وتقولوا أنتم بأن الإسلام أباح للحاكم أن يظلم الناس، وأن الناس يجب أن تخضع له، لكونه فقط مسلِما ؟؟؟!!!
ألا قبَّح الله فهمَكم وسفّه رأيَكم أيها الأدعياء !!!!
تَعْسًا لكم !! ما بالكم تتبنّون الرديء من الأفكار، والسقيم من الأفهام، وتلصقونها بالإسلام وهو منها بريء، وتَعْمون عن حقائق الدين العظيمة المشرقة، فكان حالكم كالذباب إذْ يقع على القاذورات ويتجنب جميل الأزهار !!!
بقي أن نوضّح المراد بأمثال تلك النصوص التي يتعلق بها هؤلاء..




معنى " وإن جلد ظهرك وأخذ مالك "
====================
ثم إن حرمات الناس لا يمكن أن تكون كلأً مباحا لأي شخص بحجة أنه الحاكم، ولا يمكن بحال من الأحوال تَصوُّر أن الإسلام يأمر الناس بالانبطاح والذل والاستكانة، والسكوت عن انتهاك حرماتهم.
إن أيَّ نص ينبغي أن يُفهَم في ضوء مبادئ الإسلام الراسخة، وتشريعاته المُحْكَمة التي أجمعت عليها الأمة، مثل العدل والمساواة، وحرمة الأنفس والأموال والأعراض، وفي ضوء مجموع النصوص القطعية في القرآن والسنة، ومقاصد الشريعة الإسلامية التي تؤكد على وجوب صيانة حقوق الناس، وحرمة الأنفس والأموال والأعراض، وتدعو إلى الدفاع عن تلك الحرمات، وتمدح التصدِّيَ لحكام الجور والظلم.

وعلى هذا نقول:
إن ما جاء في بعض الروايات من وجوب التزام طاعة الخليفة أو الحاكم وإن جلد ظهر المرء، وأخذ ماله يُحمَل على أمرين:
الأول: أن يكون هذا في وقت اشتداد وتلاطم الفتن، فيكون هذا من باب أخفِّ الضررين، وأهونِ الشّرّيْن، كيْ لا تتعاظم المفاسد والشرور، إلى أن تُتاح الفرصة للوقوف في وجه ذلك الحاكم المتسلِّط المستبيح للحرمات، والذي هو في كل الأحوال آثمٌ مُجْرِمٌ في نظر الشرع.
الثاني : أن رواية " وإن جلد ظهرك وأخذ مالك " ليست على إطلاقها، وإنما مقيَّدة بأن يكون هذا بحقه المشروع، كأن يضرب الحاكمُ مَن يستحق الضرب على سبيل التأديب أو العقوبة، وكأن يأخذَ الحاكم مالا وجب أخذه شرعا وامتنع الشخص عن دفعه، مثل مانعي الزكاة ... وهكذا .. يعني ـ باختصار ـ إذا ضربك أو أخذ مالَك في إطار ما شرع الله، وليس ظلما وعدوانا ..
لقد جاء الإسلام برسالة الحرية والعدل والمساواة للإنسانية كلِّها على اختلاف طبقاتها ..
وتصدّى بكل حزم لجميع مظاهر الظلم لأي إنسان..
بل لم يسمح للسيد أن يضرب عبده المملوكَ له ظلما، فهل يسمح بظلم الأحرار ؟؟!!
ولْنتأمَّل في هذا الحديث:
عن أَبي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ قال: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي، «اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ»، فَلَمْ أَفْهَمِ الصَّوْتَ مِنَ الْغَضَبِ، قَالَ: فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: «اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ»، قَالَ: فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي، فَقَالَ: «اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ، أَنَّ اللهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ»، فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَقَالَ: «أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ»، أَوْ «لَمَسَّتْكَ النَّارُ».
وفي رواية: قَالَ: فَقُلْتُ: لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا.
رواه مسلم وأبو داود والترمذي وأحمد .

اسماعيل علي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...