الثلاثاء، 9 سبتمبر 2014

مقاربة شرعية في واقع الدولة التونسية وأجهزتها وطريقة التغيير تجاه الأفضل


بسم الله الرحمان الرحيم

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على نبيه المصطفى وبعد فإنه أمام فوضى الفتاوى المنتشرة بين المسلمين في هذا الزمان وفوضى الخوض في مسائل السياسة الشرعية من قبل غير المتأهلين شرعا وسياسة والتي هي من أعظم مسائل الشريعة بعد مسائل الإعتقاد، حتى خرج علينا طوائف من المسلمين بألسنة الباطل ومعاول الهدم تهدم الحق وتحارب الشرع من جهة تظن أنها تنصره وترفعه مستندة في ذلك إلى فتاوى ضالة مضلة. وما كان هذا ليكون لولا الإستعمار ووكلائه من بعده الذين عملوا على طمس معالم الدين ونشر الجهل بتعاليم الإسلام وأصوله. كما لم يقصروا في تجهيل الناس بأمور السياسة والدولة مع ما زامن ذلك من واقع الاستبداد والظلم. فكانت هذه البيئة مناسبة لبروز بذور السطحية والتعصب و الغلو والجنوح للعنف والإكراه في موقف الرفق بدل الحجة والحجاج وذلك مع القريب فضلا عن البعيد. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول (ما كان الرِّفْق في شيء قَطُّ إلا زانَهُ وما كانَ الخُرْقُ في شيء قَط إِلاّ شانَهُ) والخرق هو الحُمق.
ومن أمثلة هذه الفوضى الفقهية أنك تجد فتاوى قيلت في قرون خلت تستنسخ لتقال في مثل حالنا اليوم دون نظر ودراسة ومراعاة للواقع المتغير وذلك ممن يشار لهم بالبنان ومن المعلوم بالضرورة من أصول الفقه أن الفتوى هي إخبار بالواجب في الواقع فهي مرتبطة ارتباطا لصيقا بالواقع الذي قيلت فيه فإن كان هذا حال هؤلاء المتًبَعين فكيف بالله سيكون حال الأتباع من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. اللهم إن نشكو إليك قيلة حيلتنا وضعف قوتنا.
قضية الحال التي نحن بصدد الحديث فيها لا يختلف حالها عن باقي قضايا الشريعة المطروحة على الساحة الإسلامية والتي تتلاطمها أمواج الفتاوي يمينا وشمالا. هذه القضية هي قضية حكم الدولة التونسية وأجهزتها وطريقة إصلاح ما أصابها من سوء.

إن ما يمكن أن تلام عليه الدولة التونسية في عمومها هو عدم حكمها بشريعة الإسلام. والسبب في ذلك هو إشتراك المسلمين الساعين للحكم بالشرع وغيرهم من المسلمين الضالين أو المسلمين العاصين أو الكافرين في حكم البلاد. هذا الإختلاط في الحكم بين الصالحين وغيرهم هو نتيجة لاختلاط الشعب التونسي ذاته وتنوعه. وأما هذا الاشتراك في الحكم فهو نتيجة اصطلاح الجميع على ترك السلاح و الدخول في معركة لا سلاح فيها الفائز فيها ليس الأقوى عداد وعدة بل الأكثر عددا والأكثر إقناعا وهي معركة الانتخابات. فأفرزت تلك المعركة هذه الشِركة في الحكم.
قد يقول قائل ولما لا يدخل المسلمون معهم في معركة السلاح أوليس الحكم بغير ما أنزل الله من المنكرات والفساد الذي يبيح قتال هؤلاء حتى وإن كانوا مسلمين. قلنا نعم الحكم بغير ما أنزل الله من الفساد الذي يبيح قتال فاعليه من المسلمين حتى ينتهوا عنه ونكرر هنا قتالهم لا قتلهم أي المقصود هو درء فسادهم بما يمكن به ذلك مع تجنب تقصدهم بالقتل إن دفع فسادهم بأقل من ذلك (راجع أحكام قتال أهل البغي في كتب الفقه).
ولكن العالم بالواقع الحاضر يعلم يقينا أنه لو دخل الكل في معركة السلاح لأكلت الأخضر واليابس وما قام معروف ولا ترك منكر. وإذ أن دم المسلم حرام ولا يجوز قتل المسلم إلا قصاصا أو دفع لفساده فإنه إن كانت تلكم المعركة لا تدفع فسادا فقد عاد الأصل في دماء المسلمين للعصمة الأصلية.
وكما لا يخفى فكل متابع للشأن السياسي المحلي والدولي يعلم أن المسلمين الساعين لإقامة الشرع هم الفئة الأضعف عدة ومالا، ولكنهم الأقوى عدادا، في تونس أو في بلاد المسلمين الأخرى. فرضى المخالفين بمعركة الأصوات بدل معركة السلاح لهو فرصة عظيمة للمسلمين ليس لهم تفويتها عقلا وشرعا. وهي من جنس الجهاد في سبيل الله. والتارك لها أثم متولي عن الزحف. أما من يسعى لجر المخالفين لقلب قواعد المعركة وحمل السلاح على المسلمين فهو أكبر إثما وجرما إذ سيتسبب بفعله في تفويت فرصة عظيمة للمسلمين في التغيير نحو الأصلح وإدخال المسلمين في معركة غير متكافئة تنتهك فيها دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم دون أن يقام معروف ولا يدفع منكر.
وفي هذا الصدد مما يشكر عليه شرفاء أجهزة الدولة من جيش وشرطة هو في إبقاء هذه الأجهزة على الحياد في هذه المعركة رغم كل الضغوطات التي سلطت عليها من الدول الغربية والعربية وأساليب الترغيب و الترهيب التي مورست في حقهم للانحياز إلى طرف الباطل. وإن كان هناك من يلوم عليهم أن لم ينحازوا إلى جانب الحق فإن التكاليف في ذلك شديدة والضغوط كبيرة زد على ذلك اختلاط تلك الأجهزة بمن مع ومن ضد كل طرف من أطراف الصراع على الحكم. مع أن طبيعة الدولة القائمة لا تسمح بذلكم الانحياز فهم في الحقيقة ليسوا مستقلي الإرادة كما يتصور البعض بل حالهم في الدولة كحال العبد في يد سيده. ليس لهم إلا تنفيذ قوانين السلطة في الدولة.
أما المتمعن في الطوائف المخالفين للساعين لإقامة الشرع يجد أنهم مجموعة من الأحزاب السياسية الضالة كالليبرالية أو الشيوعية أو الفاسقة ولها من يساندها في الداخل والخارج من فسقة المسلمين أو ضلالهم أو الكفرة من أهل البلد.
والمدقق في هذه الأحزاب يجد أن أغلب منتسبيها يشهدون أنه لا إلاه إلا الله وأن محمد رسول الله ويصلون ويعملون من المعروف ويتركون من المنكرات. وما منعهم عن إقامة الشرع إلا أمران إما الهوى أو الضلال والبدعة.
فأما بالنسبة للهوى فأن علاجه يكون بالنصح والإصلاح والتخويف من عذاب الله والترغيب في رحمته ليس لمنتسبي هذه الأحزاب فقط لا بل لعموم الشعب التونسي إذ هو الذي رشحهم وساندهم على الحقيقة. وهكذا كلما إزداد معدل التدين والصلاح في الشعب التونسي كلما غابت هذه الأحزاب عن المشهد السياسي في البلاد واضمحلت. وإن كان هذا الشعب الكريم قد صبر وعظ على دينه في سنوات الجمر فكيف لا يعود إلى دينه في سنوات العدل. بلى سيعود بإذن الله وكما قال صلى الله عليه وسلم (لا يزال الخير في أمتي إلى يوم القيامة) وكما قال تعالى (خلقت عبادي حنفاء) أي مستقيمين مسلمين لله.
وأما بالنسبة للبدعة فرغم أن بدعة الليبرالية أو الاشتراكية هي بدعة مكفرة إذ هي تتزامن غالبا مع استحلال الحكم بغير الشرع فإن تكفير هؤلاء ليس بمُسَلَم لعموم البلوى في هذا الزمان بالجهل بوجوب الحكم بما أنزل الله والتأويل في ذلك بشبهة تغير الزمان ومضي العصور زد على ذلك سوء عرض طريقة الإسلام في الحكم لكثير من الجماعات الإسلامية في هذا العصر لا بل فهم هذه الجماعات لأصول السياسة في الإسلام هو في ذاته فهم معوج أعرج ينفر ولا يبشر ولا حول ولا قوة إلا بالله. وعلاج ذلك بأذن الله يكون بحسن عرض الإسلام وزيادة نشر الوعي بتعاليم إسلامنا الحنيف السمح وتعليم الناس لأمور دينهم، ثم ممارسة هذه التعاليم ما استطعنا إلى ذلك سبيلا في كل مسالك الحياة في البيت والشارع والمدرسة والجمعية والعمل والحكم. كل ذلك سيساهم بإذن الله في كشف شبهات القوم من الأحزاب وأفراد الشعب التونسي الذين ساندوا أصحاب مثل هؤلاء من الأفكار.
دون أن ننسى المفعول السحري للكلمة الطيبة والخلق الحسن والإكرام مع هؤلاء. وكما قال تعالى:
(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)
وقوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).
وقوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) و(المؤلفة قلوبهم) هم قوم من الكفار يعطون من أموال الزكاة لاستمالتهم للإسلام.
ومع زيادة الوعي الديني والواعز الديني في قلوبنا شعبنا الكريم سنشهد إن شاء الله اختفاء تلكم الأفكار الضالة وتلكم الفئام الفسقة وتصبح إن شاء الله يوما ما كل الأحزاب بمرجعية إسلامية لا تختلف بين بعضها البعض إلا في رؤاها واجتهاداتها السياسية ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله وقيام دولة الإسلام والعدل.
وليكن شعار المرحلة (بل تونس أرض جهاد لا دماء فيه وأرض دعوة لا خصام فيها)
والحمد لله رب العالمين.
ما كان صوابا فمن الله وحده وما كان خطئا فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله والله أعلم.
تونس في 6 جويلية 2014
أبو عبيد الله التونسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...