بسم الله الرحمان الرحيم،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أما بعد فهذا حرف في الهجر كتبته إجابة لسؤال أحد الإخوة الفضلاء، أحببت نشره لتعميم الفائدة:
إعلمك رحمك الله أن الأصل في هجر المسلم الحرمة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم (لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تناجشوا، ولا تدابروا –أي تتقاطعوا-، وكونوا عباد الله إخوانا) وقوله (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث).
إلا إنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف أنهم هجروا بعض المسلمين في أحوال مخصوصة وحالات معينة، وذلك تأديبا لمسلم جاهر بمعصية أو ببدعة في الدين، وهذا الهجر غير هجر البدع والمعاصي في ذاتها فإنه مطلوب في كل حال.
ولكن ولئن أبيح هجر أهل المنكر في ذلك الوقت لتحقق مصلحة متيقنة في تأديب أهل المنكر عن منكرهم فإنّه اليوم لا يحلّ وذلك لعدم تحقق مصلحة التأديب لأهل المنكر أو انتهائهم عن منكرهم، بل لا يزيدهم ذلك إلا منكرا ونفورا، نظرا لتغير الزمان وتشتت الأمة وتفرقها وضعف دينها وغير ذلك من الأسباب. ولذلك كله فإن حكم الهجر يرجع إلى أصل الحرمة. ينضاف إلى ذلك ما في الهجر والقطيعة من تضييع لما هو أوجب من التوحّد والاجتماع على الذب عن الشريعة وأصل الدين ولبه الذي يحارب من قبل أعداء الله ليلا نهارا في حرب عالمية على الإسلام وأهله. فلا يعقل العمل على إقامة واجب من واجبات الشريعة في إنكار منكر والتأديب عليه مقابل ضياع الدين والشريعة كلها. ولعلي أستأنس لهذا بعمل عمر رضي الله عنه في تأخير إقامة الحدود على أفراد الجيش مخافة لحوقهم بالكفار. ولذلك كان الواجب في هذا الزمان تأليف أصحاب المنكر من أهل الأهواء والشهوات على الدين والمعروف وبذل النصيحة لهم والتعاون معهم على البر والإجتماع معهم على إقامة ما اتفقنا عليه من الدين وينصح بعضنا بعض في ما أختلفنا فيه. ولبكن لك في ما ذكر إبن حزم رحمه الله أسوة فقد ذكر أن سليمان التَّيمي وهو من أئمة أهل السّنة ، والفضل الرّقاشي وهو من أئمة المعتزلة كانا صديقين إلى أن ماتا متصافيين. وكان محارب بن دثار -أحد أئمة أهل السُّنّة- أيضا، وعمران بن حطّان -أحد أئمة الخوارج- صديقين مخلصين زميلين إلى الحج، لم يتحارجا قطّ. والحاصل أن هذا جواب عام، ونقصد فيه بأهل الأهواء أي أهل البدع في الأصول كالخوارج والمرجئة والشيعة والأحباش والليبرالية والشيوعية وأما أهل البدع غير المكفرة (أي في الفروع) فهم أولى وأولى بالتأليف. ويبقي أن الهجر قد يلجئ إليه أحيانا في حالات يقدرها أهل العلم والفقه ولا يجوز الإفراط فيه فهو كالدواء الإفراط فيه له مفعول عكسي فيسم ويقتل المريض. وهذا الرأي هو المُتفقُ مع إختيار الشيخ أحمد بن تيمية رحمه الله في فتاويه.
والله أعلم وأحكم والحمد لله رب العالمين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق