الجمعة، 5 سبتمبر 2014

تأصيل شرعي لمسألة الانتخابات التونسية القادمة

 تأصيل شرعي لمسألة الانتخابات التونسية القادمة


بسم الله الرحمان الرحيم

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على نبينا المصطفى، وبعد، فإنه يشاع هذه الأيام السؤال عن مشروعية الانتخابات القادمة التي ستشهدها البلاد التونسية. ونظرا لأهمية الموضوع واضطراب كثير من الناس فيه فإنه أصبح من الضروري صياغة تأصيل شرعي لتلكم المسألة ليتقدم من يريد التقدم عن بينة ويتأخر من يريد التأخر عن بينة، خاصة وقد وصل الأمر بالبعض أن كفّر من يشارك فيها ووسمه بالردة و الفسق ولا حول ولا قوة إلا بالله. ويا ليت شعري لو أنصف منصف لكانت تلكم الكلمة أحرى به هو منه.

لقد كانت الحروب التقليدية بين الجماعات والدول ولا زالت تقوم على مبدأ أساسي و أزلي وهو (الحكم للأقوى). فالأقوى من بين المتحاربين ينتصر. والمنتصر هو الذي يفرض شروطه وأحكامه مهما كانت على المنهزم شاء ذلك أم أبى. والمنهزم مستسلم لا حول له ولا قوة فقد خسر الحرب، والخاسر دائما يتحمل كل التبعات. للانتصار والاقتدار نشوة تنتاب المنتصر غالبا ما تثيرعنده نزعة الانتقام والتشفي من المنهزم.
لذلك ومنعا للمسلمين من البغي والظلم عند المقدرة، فقد حذر الله سبحانه المسلمين في الحرب من العدوان وأكد ذلك بخبره عن كراهته للمعتدين، قال سبحانه (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين). من جهة أخرى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم (أن قوماً كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداوة, فأظهر الله أهل الضعف عليهم, فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم, فأسخطوا الله عليهم إلى يوم القيامة). قال إبن كثير: معناه أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء فاعتدوا عليهم فاستعملوهم فيما لا يليق بهم,أسخطوا الله عليهم بسبب هذا الاعتداء.
إن الداخل في هذه النوعية من الحروب كان ولا يزال يعتمد في نصره على القوة. القوة بكل معانيها المادية (عدد الجنود وعدتهم وكفاءتهم) والمعنوية (عدالة القضية).
أما اليوم، وإثر التطور الاجتماعي و السياسي للجنس البشري فقد ظهر وأنتشر نوع جديد من الحروب. نوع جديد لا قتال فيه ولا دماء. هذا النوع لا يقوم على مبدأ (الحكم للأقوى) وإنما على مبدأ(الحكم للأغلب). فكل المتخاصمين يضعون أسلحتهم على جنب ويدخلون في حرب الدعوة والحشد والإقناع والذي يستطيع أن يحشد أكبر عدد من الأنصار والداعمين هو الذي ينتصر حتى وإن كان الأقل عدة وسلاحا. هذه الحرب تسمى الانتخابات. فصاحب الأغلبية العددية هو الذي ينتصر. والمنتصر هو الذي يفرض شروطه وأحكامه على المنهزم شاء ذلك أم أبى.
هذا المبدأ أي مبدأ(الحكم للأغلب) ليس جديدا على المسلمين إذ هو بالأساس مبدأ إسلامي صرف تقوم عليه أصل الشورى في السياسة الشرعية الإسلامية في إدارة شؤون المسلمين وتولية الولاة والأمراء.ففي غزوة أحد مثلا استشار النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين في الخروج لمقاتله قريش أو البقاء، فأبى أغلبية المسلمين إلا الخروج، فأخذ الرسول برأيهم. روى الحافظ ابن كثير(وشاورهم في أحد في أن يقعد بالمدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم). ويقول الغزالي في مسألة ( إذا بويع لإمامين): أنهم لو اختلفوا في الأمور وجب الترجيح بالكثرة.
إلا أن ما يعتبر جديدا في هذه الأزمنة المعاصرة هو أن يستعمل هذا المبدأ لأول مرة بين المسلمين وغيرهم (تنبه غير المسلمين) في فض النزاع بينهم.
ولذلك تجد بعض الناس يشبه الانتخابات بالشورى لأنهم يعتمدون على نفس المبدأ (الحكم للأغلب)، إلا أن هذا التشبيه غير دقيق فالشورى هي الآلية الواجبة بين المسلمين (والمسلمين فقط) في إدارة شؤونهم وفض نزاعاتهم في غير إقامة القطعيات من الدين وفي المسائل السياسية. ولكنها محرمة مع المقدرة في فض النزاعات مع المسلمين (أو غيرهم) في إقامة القطعيات من الدين لأنها تنازل عن إقامة بعض الدين مع المقدرة على الإلزام به.
وأما والحال اليوم والمسلمون يفتقدون القدرة المادية على الإلزام بالدين لأنهم هم الأضعف قوة وعدة وأمام هذه الفرصة على الإلزام بما تيسر من الدين عن طريق مبدأ (الحكم للأغلب) والذي التزم به خصومنا فيجب على المسلمين العمل بذلك والمطالبة به خاصة ونحن الأكثر عدادا والأوفر حظا. زد على ذلك أن خصومنا الذين يرفضون الحكم بما أنزل الله خلط وخليط من فسقة وكفرة ومسلمون ملبَّس عليهم وقتالهم متعذر مع ما فيه من إزهاق الأنفس البريئة المُلبَّس عليها نتيجة عقود الاستعمار التي خلت، زد إلى ذلك كله تربص الأعداء الخارجيين بنا من كل حدب وصوب للانقضاض على ما قام في بلادنا من إصلاحات كبيرة ومهمة في مجال حرية الدعوة والتعبير ومجال حرية التدين ومجال الإصلاح السياسي (إذ أن تأسيس مبدأ حكم الأغلب في الدستور التونسي يخدم الشورى على المدى البعيد إن تحسن مستوى التدين عند الشعب التونسي وأصبحت كل الأحزاب ذات مرجعية إسلامية) وكل هذا يصب في المصلحة الإستراتيجية للإسلام والمسلمين والحمد لله.
وبما أن المسلمين في أغلب بلدان العالم الإسلامي هم الأكثر عداد والأقل عدة فإنه يتعين عليهم المطالبة بهذا النوع من المعارك والحرص عليه واستثمار كل فرصة تسنح بخوض هذا الجهاد ضد أصحاب الباطل لإحقاق ما أمكن من الحق وإبطال ما أمكن من الباطل (ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها).
والحمد لله أنه في بلادنا تيسرت هذه النوعية من الحروب للمسلمين ولا عذر لهم أمام الله في النكوص على أعقابهم وتفويت هذه الفرصة العظيمة.
ولعلي أورد هنا استئناسا لما قررته وكيَّفته أنفا في مسألة الانتخابات ما قاله الشيخ الفاضل أحمد شاكر رحمه الله، في أحد الندوات مخاطبا علماء وطلبة الأزهر: (... و إذ ذاك سيكون السبيل إلى ما نبغي من نصر الشريعة السبيل الدستوري السلمي: أن نبث في الأمة دعوتنا و نجاهد فيها ونجاهر بها ثم نصاولكم عليها في الانتخاب . و نحتكم فيها إلى الأمة و لئن فشلنا مرة فسنفوز مراراً بل سنجعل من إخفاقنا إن أخفقنا في أول أمرنا مقدمة لنجاحنا بما يحفز من الهمم و يوقظ من العزم ... فإذا وثقت الأمة بنا، ورضيت عن دعوتنا، واختارت أن تحكم بشريعتها طاعة لربها، وأرسلت مِنَّا نوابها إلى البرلمان، فسيكون سبيلنا وإياكم أن نرضى وأن ترضوا بما يقضي به الدستور، فتلقوا إلينا مقاليد الحكم، كما تفعل الأحزاب، إذا فاز أحدها بالانتخاب، ثم نفي لقومنا -إن شاء الله- بما وعدنا، من جعل القوانين كلها مستمدة من الكتاب والسنة)(رسالة الكتاب و السنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر).

لكننا اليوم ونحن أمام هذا الأمر الجلل والفرصة العظيمة لإصلاح ما يمكن إصلاحه، فقد رزينا ببعض قليلي الفقه يرمون المسلمين بكل صغيرة و كبيرة لأنهم أطاعوا ربهم وجاهدوا في سبيله عبر هذه النافذة المفتوحة للتغيير والإصلاح، حجتهم في ذلك أن الانتخابات تنزع الحكم من الله وتجعله للأغلب!!! زعموا. (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا).
فأقول والله المستعان إن مبدأ (الحكم للأغلب) لا يتناقض مع أصل (الحكم لله) أبدا. بل هو من حكم الله فالله عز وجل أمر ببذل كل وسيلة مشروعة لنصرة دينه وطاعته، وإذ متعذر علينا التوسل بمبدأ(الحكم للأقوى) عبر تطبيقه الفعلي بالقتال في سبيل الله فإن التوسل بمبدأ (الحكم للأغلب)متيسر ولله الحمد. فهل يقول عاقل إن المجاهدين الذي يقاتلون في سبيل الله مشركون وتاركون لأصل (الحكم لله) لأنهم عاملون مع العدو بمبدأ (الحكم للأقوى)!!!
إن مثل ذلك مثل الخوارج الذين خرجوا على علي رضي الله عنه و كفَّرُوه لأنه حكـَّم سعد بين المتخاصمين في موقعة الجمل وهم رافعين شعار (إن الحكم إلا لله) فقال علي وقتها (إن الناس لابد لهم من حاكم يحكمهم برا كان أو فاجرا) وفـتَحَ المصحف وقال (أحكم بين الناس) فهل ينطق؟؟ لا وإنما يجب أن يكون هناك من يحكم به. فهؤلاء الخوارج وهم يرفضون الوسيلة للحكم بما انزل الله وهم الحكام من الرجال فقد عطلوا حكم الله من حيث أرادوا إقامته.
وهؤلاء الذين رفضوا التوسط بمبدأ الحكم للأغلب لإقامة ما أمكن من دين الله وحكمه قد عطلوا من أحكام الله الكثير من حيث أرادوا إقامة أحكامه.
فنحن نقر أن (الحكم لله) وأن الحكم بشريعة الله واجب ولكن كيف التوسل لتحقيق ذلك في مثل هذا الظرف أبمبدأ(الحكم للأقوى) أم بمبدأ (الحكم للأغلب) ؟
وحتى نكون أكثر وضوحا نضرب مثالا لذلك : لو أن رجلين تخاصما فقال احدهم نتحاكم للقاضي إسماعيل وهذا عدلٌ فقال الأخر بل للقاضي عبد الحميد وهذا الأخير يأخذ الرشوة فقام أحد الناس وقال الحكم لله لا لإسماعيل ولا لعبد الحميد والتوسل لحكم الله لا يكون إلا بالتحاكم للنبي صلى الله عليه وسلم لأن الله يقول (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم). فمن تحاكم لغير النبي فهو كافر. فهل يقول عاقل اليوم هذا الكلام. وكيف سيتوصل المرء لحق أو فض نزاع بين الناس وإقامة حكم الله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بهكذا تفكير وفقه !!!
(الحكم لله) نعم ولكن لا بد للناس من قاض يحكم بينهم وهذا من حكم الله. فإن عدم القاضي العدل من كل وجه تحوكم للقاضي الأمثل فالأمثل ولا يعطل بعض الحق إن تعذر إقامته كله.
فليعقل كل عاقل وليسمع كل سامع أن (الحكم لله) و أن من حكم الله التوسل بالوسائل المشروعة لحكم الله. وفي مثل حالنا بالمطالبة بحكم الأغلبية. وقد يأتي علينا زمان تكون هناك وسائل أخرى لم تحدث بعد. والمقصد واحد ولكل زمان وسائله.
وأخيرا نصيحتي لهؤلاء المتكلمين في دين الله بغير علم أن يتعلموا ويتفقهوا قبل أن يتكلموا ولينتهوا عن غلوهم وخلطهم. وأذكرهم بقوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق) و أحذر أتباعهم من تقليدهم في زلاتهم وتكفيرهم للمسلمين وأذكرهم بقوله تعالى (ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل).
وأشد على أيدي المسلمين السباقين لهذا الخير وادعوا لهم وأسأل الله أن نشرف بالمساهمة في بناء صرح دولة الإسلام بالدعوة والإصلاح والجهاد الانتخابي والجهاد القتالي متى نفع ذاك أو الأخر. وأحسبكم أيها الصالحون حالكم اليوم في بلادنا بين المقصرين والغلاة كحال المسلمين بالأمس في المدينة بين اليهود والنصارى في عيسى بن مريم عليه السلام. فاليهود استنقصوه فقالوا كذّاب وأما النصارى فغلوا فيه وقالوا إله ووفق الله المسلمين فعدلوا فيه وقالوا رسول تقي. وأنتم كذلك جاء الليبراليون والشيوعيون فأنقصوا من الدين بتعطيلهم مقصد الإمارة والدولة من إقامة العدل وحراسة الدين فردَّ عليهم الغلاة فزادوا في الدين فجعلوا الوسيلة المباحة لإقامة الدولة والإمارة شركا. و كان أهل السنة والحق وسط بين هؤلاء وهؤلاء فأمنوا بالمقصد من الإمارة وهو إقامة الدين والحكم بشريعة الله واجتهدوا في الوسائل ولم يضربوا كتاب الله بعضه ببعض.
والحمد لله رب العالمين،ما كان صوابا فمن الله وحده وما كان خطئا فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله منه والله أعلم.
تونس في 12 جويلية 2014
أبو عبيد الله التونسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...