الجمعة، 5 سبتمبر 2014

الشريف حاتم العوني يفصل حول قاعدة في الدعوة النجدية "من شك في كُفر الكافر فهو كافر"


الشريف حاتم العوني
الجمعة 05/09/2014


حَفِظْنا هذه العبارة ، وحفّظناها أبناءنا، لأكثر من جيل. وهي عبارة خطيرة؛ لأنها مجملة جدا في موطن لا يجوز فيه الإجمال، ولأن تفاسيرها قد تعددت:
فالتفسير الأول: جعل المقصودَ بها: الشك في كفر الكفار الأصليين، من غير أهل الشهادتين، أو من نقض دلالة الشهادتين نقضا صريحًا. فحمل هذه العبارة على معنى الشك في كفر غير المسلمين من الملل الأخرى، كأهل الكتاب (بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم) وغيرهم من الوثنيين والملاحدة، ومن نقض صريح الدلالة اللغوية للشهادتين بأن نسب لله (نسبةً صريحة) شريكا في الربوبية أو وليا من الذل أو نفى عنه سبحانه صفة الألوهية أو زعم ربا غير الله أو زعم أن شريعة الإسلام لا تلزمه أو كَذّبَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك من النواقض الصريحة القاطعة للدلالة اللغوية للشهادتين (مما بينته في كتابي التعامل مع المبتدع)، فمثل هذا الشاكّ لن يتوقف في بطلان هذه الملل الكفرية إلا وهو قد شك في صحة الإسلام وفَـقَـدَ اليقينَ الذي هو شرط صحة الإيمان وشرط قبول الشهادتين عند الله تعالى؛ لأن هذه الملل هي ملل الكفر التي جاء الإسلام ماحيًا لها داعيا إلى البراءة منها ، وهي أضدادٌ لدلالة الشهادتين بدلالة اللغة القطعية.
لكن هل كان هذا التفسير هو الشائع في مدرسة (الدرر السنية)؟ أم هو التفسير التالي؟


فالتفسير الثاني هو: تنزيله على من شك في كفر السابقين (وهذا لا إشكال كما سبق)، ولكنهم أضافوا إليهم: تكفير من شك في كُفر من كَفّروه هم من أهل الشهادتين!
فمثلا: من شك عندهم في كفر جهلة المسلمين ممن يتوسل ويستغيث بالمقبورين، ومن شك في كفر الجند المصري الذي كان قد غزا الدرعية ومن أعانهم أي إعانة، فهو كافر لا شك في كفره أيضًا، ومن شك في كفر هذا فهو كافر مثله؛ لأنه كافر وتصدُقُ القاعدة عليه: بأنه (شك في كفر الكافر) .. وهكذا يتسلسل التكفير حتى يعم شعوبا وأمما وحكومات!! ولن أدخل في هذا المقال المختصر في جدل التكفير بهذه الأمور، ولكني سألفت النظر فقط إلى خطورة هذه القاعدة بهذا التفسير الذي بُنيت عليه تقريرات التكفير في (الدرر السنية).
وهكذا وبهذا التفسير ستنجرّ هذه القاعدة حتى على كاتب هذه السطور، وعلى قرائها ممن أبى تكفير هؤلاء أو شك في كفرهم، وعلى الأزهر وعلماء أغلب العالم الإسلامي، بل سيطال التكفيرُ الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب (أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد) وعامة علماء الأمة.. كما سيأتي بيانه!!
وهذا بعض ما تستند إليه داعش في توسع دائرة تكفيرها!
لكن أصحاب هذا التقرير نسوا في حَمْوَة تكفيرهم هذا أنهم هم مختلفون في بعض صور التكفير، فعلى قاعدتهم يلزمهم تكفير بعضهم بعضا!!
فمنهم من أطلق القول بكفر من حَكّمَ غير حُكم الله، لا على وجه الظلم، وإنما على وجه التقنين (القوانين الوضعية)، ولكن كان الشيخ عبد العزيز بن باز (رحمه الله) يخالف في ذلك، ويشترط للتكفير عملَ القلب ( باعتقاد تفضيل حكم غير الله على حكمه عز وجل أو باعتقاد مساواته). فهل سيلتزمون بتلك القاعدة معه ، فيكون الشيخ (رحمه الله) عندهم كافرا؟!!
واختلفوا في بعض صور الإعانة الظاهرة للكفار على المسلمين، فيلزمهم تكفير من خالفهم منهم في بعض الصور!
واتفقوا (أو كادوا) على كفر من ترك الصلاة تهاونا وكسلا (لا جحودا)، أخذًا بالمشهور من مذهب الإمام أحمد ؛ خلافا لجمهور العلماء ، مما يقتضي كفر جمهور العلماء عندهم وفق فهمهم لتلك القاعدة (تقريرًا وتطبيقا عمليا)!!
ولم يشكوا في كفر الجاسوس الذي يدل الكفار على عورة المسلمين (وعندي النصوص الدالة على ذلك من كلامهم)، مع أن الأئمة الأربعة وغيرهم كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم (بل نُقل الإجماع على ذلك) أن هذا الجاسوس ليس كافرا، مع ارتكابه لجرم عظيم. فعلى إجمال قاعدتهم ، بل على بيانهم لمعناها: سيكون الأئمة الأربعة وكل من وافقهم من الأئمة كفارا، لأن هؤلاء الأئمة لم يشكوا فقط في كفر الكافر عندهم ، بل حكموا بإسلامه!!
إلى غير ذلك من هذا التخليط والتوسع في التكفير!
ولا جواب لهم على هذا الانكشاف لسوء تقريرهم؛ إلا إن قالوا (إن قالوا): تكفير أهل الشهادتين عندنا على قسمين:
1- قسمٌ يكون تكفير أهل الشهادتين فيه يقينيا (بزعمهم)، وهذا هو الذي يُكفَّر من شك في كفره.
2- وقسم يجوز فيه عندهم التكفير بالظن، وهذا هو الذي لا يجوز فيه تكفير الشاك!
بهذا التقرير فقط يمكنهم النجاة من تكفير بعضهم ، ومن تكفير أئمة المسلمين!!
وهذا التقسيم لم يقل به أحد، ولا هم أنفسهم؛ لأن الإجماع منعقد بأن من دخل الإسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين.
وهذا مما يبين وجها من وجوه خلل التكفير في (الدرر السنية)، وبهذا الخلل كُفّرت الشعوب والحكومات، بحجة: من شك في كفر الكافر فهو كافر! بذلك التفسير الباطل، الذي أدخل في الكفار الأصليين ومن الإجماع على كفرهم أقواما من المسلمين اختلفوا هم في تكفير بعضهم أو خالفوا فيهم غيرهم من أئمة المسلمين في تكفيرهم!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...