اللهمّ اضرب الظالمين بالظالمين.
قبل أربعين سنة تلقيت تدريباً
عسكرياً في مدرسة سلاح الهندسة، وكما يعلم العسكريون فإنه أول أسلحة الجيش
تقدماً وآخرها انسحاباً، لأن من أولى مهماته تطهير الأرض من الألغام أمام
المتقدمين ومن آخرها زراعة الألغام خلف المنسحبين لإعاقة تقدم العدو. فهل
يعرف أحد كيف يكون التقدم في حقل الألغام؟ إنه يشبه الكتابة التي أكتبها في
هذه الأيام عن داعش والحملة الدولية على داعش. إنها كتابة محفوفة بالخطر،
يودّ المرء لو يفرّ من خطرها ويفتدي نفسه منها، ولكني لن أفعل؛ لقد آثرتُ
أن أبقى في الميدان ولا أكتم الشهادة ولو خرّقتني السِّهام والنّصال.
نشرت خلال الأسبوع الأخير مقالات مطوّلة توضح الموقف التفصيلي من هذه
الحملة المزعومة ونشرت فيها رأيي بما يتعين على المجاهدين في سوريا عمله.
لم أغفل أمراً بدأت بالتنبيه إليه من شهور الثورة الأولى وبقي حاضراً في
كتاباتي على الدوام، وهو من الحقائق الكبرى في الصراع الوجودي للأمة
الإسلامية وفي كفاح الشعوب العربية والإسلامية المستميت للحصول على حريتها:
العداوة الأمريكية الأزلية للمسلمين والكيد الأمريكي لمشروعات التحرر
العربية، وللثورة السورية بالضرورة. ولم أغفل كذلك عداء داعش للثورة
وصراعها معها، وهو أيضاً صراع وجودي ينتهي ببقاء طرف وفناء الآخر، أي أن
طبيعة المعركة مع داعش هي كطبيعة المعركة مع نظام الأسد تماماً، ليس فيها
منتصران.
لقد لخصت موقفي من الحرب الأمريكية المزعومة على داعش قبل
أقل من أسبوع في مقالة عنوانها "الحملة الأمريكية: لنا أم علينا؟" قلت
فيها: "لم تأتِ أمريكا لقتال داعش، لقد جاءت للحرب على الإرهاب. بتعريفهم
فإن تنظيم القاعدة جزء من الإرهاب، وحماس جزء من الإرهاب، وكثير من الفصائل
الإسلامية الشامية التي تأبى الخضوع للخطط والإملاءات الأمريكية جزء من
الإرهاب. هل يمكن أن نكون جزءاً من تحالف دولي لمكافحة الإرهاب بالتعريف
الأمريكي، فنحارب جبهة النصرة ومجاهدي سوريا وفلسطين؟ معاذ الله أن نكون".
وقلت في المقالة التي بعدها (موقفنا من الحملة الأمريكية): "لقد أرادت
أمريكا على الدوام أن تُهزَم ثورتُنا وكانت عدواً لسوريا والسوريين منذ
سبعين عاماً وما تزال، لن نثق برأس النفاق في العالم ولن نكون طرفاً في حلف
أمريكي أبداً إلا إذا فقدنا العقل والدين".
بناء على كل ما سبق
يتحدد موقفنا الذي قلت إنه يشبه السير في حقل الألغام: نحن لسنا جزءاً من
المعركة ولن نتورط فيها إلا دفاعاً عن أنفسنا حينما يصل العدوان إلينا (وهو
لا بدّ واصل). نحن لسنا مع أمريكا ولا مع داعش. إننا ندرك أن الطرفين من
أشرس وأخبث أعداء الثورة والجهاد الشامي، وندرك أن أمريكا ساهمت في صناعة
(أو اختراق وسرقة) داعش لتستفيد منها في الحرب على المسلمين والثورتين
السورية والعراقية. نحن نعلم أننا لو ساعدنا داعش اليوم فسوف تعود إلى
قتالنا وقطع رؤوسنا في الغد، ولسنا بحاجة إلى كرة بلّور أو إلى قراءة الرمل
لنعرف أن عداءها لنا أشد من عدائها للنصارى والنصيريين، فهو أمر صرّح به
الدواعش ألفَ مرة وقالوا بالحرف الكبير وباللغة العربية الفصحى: أنتم صحوات
مرتدون وقتالكم مقدَّم على قتال الكفار الأصليين.
فهمتُ كل ما سبق
فلخّصت موقفنا الدقيق والصعب من العدوان الأمريكي بهذه الجملة: "ليست هذه
معركتنا ولن نشارك فيها مع أي طرف لأن أمريكا عدو وداعش عدو، وتفسيرنا لها
أنها من قدَر الله لضرب الظالمين بالظالمين".
أما الدعوة إلى
استغلال ظروف المعركة وضرب داعش لاسترجاع ما سرقَته منا من قبل فإنه لا
يفسّره اصطفافاً مع الأعداء وموالاة لهم إلا قصيرُ النظر، لأنه أمر نحن
مشغولون به منذ عام، من قبل أن تتدخل أمريكا وتعقد التحالفات، فنحن الأصل
وهي الفرع في هذا القتال، وإن يكن من طرفها قتالاً لتحقيق مصالحها وغاياتها
فإنه من طرفنا قتال لاسترجاع حقنا الذي اعتدت عليه داعش وسرَقته ظلماً
وعدواناً.
وإن من أعجب العجب أن الذين يزاودون علينا في موقفنا هذا
من عصابة داعش ينسون (أو يتناسون عامدين) أن هذا هو ما فعلته بنا داعش
تماماً، فاستغلت انشغالَنا بعدونا (النظام السوري) ومعركتنا معه وطعنتنا في
الظهر، فقتلت كرام مجاهدينا غدراً وسرقت أراضينا المحررة بغياً وعدواناً.
أفيجوز لداعش -في ميزانكم الأعوج- أن تصنع بنا ذلك ظلماً ولا يجوز أن نصنع نحن بها ذلك عدلاً؟ ما لكم كيف تحكمون؟!
مجاهد ديرانية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق