الجمعة، 12 سبتمبر 2014

في ظلال أية (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين * فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون)



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،
يأمرنا الله سبحانه وتعالى في مفتتح الأيات بالحفاظ على الصلوات وهذا يشمل الحفاظ على واجباتها كالقيام والركوع والسجود وشروطها كالطاهرة وأوقاتها. ثم يعطف على ذلك بالتأكيد على القيام فيها لله (قانتين) أي مخبتين خاشعين. ثم أستثنى من ذلك كله حالة الخوف في الغزو وأسقط بعض الواجبات فيها دون إسقاطها جميعا. فقال (فإن خفتم) شرط، (فرجالا أو ركبانا) جواب الشرط، يعني صلوا مشاة أو راكبين. ومعلوم أن هاتين الحالتين هما اللتين كانتا عليهما حال المقاتل في العصور الأولى للإسلام فهو إما مترجلا أو راكبا على فرسه. فأسقط على هؤلاء المقاتلين الركوع والسجود والقيام وأنقص عنهم بعض الركعات فأقتصر على واحدة عوض اثنتان. (كما هو معلوم في فقه صلاة الخوف).
ولكن وإن رفع الخوف من الواجبات ما يضاد مصلحة حفظ النفس فإنه أبقى على وجوب ما هو مقدور عليه كقراءة القرأن والدعاء والذكر، وحظ على هذا الأخير لجبر النقص الحاصل قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون).
بالنظر في هذه الأيات يظهر أن حفظ النفس مقدم على حفظ الدين.
وهذا الأمر لا يقتصر في هذه الأية بل هو مقرر أيضا في أيات أخر مثل:
1) قوله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا). فرفع خوف المرض واجب الوضوء وأبدل مكانه التيمم حفظا للنفس.
2) قوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير). فرفع خوف الأعداء على النفس وجوب إظهار البراءة منهم وقد قال تعالى (قل يا أيها الكافرون). وأباح ملاطفتهم و مداراتهم.
3) قوله تعالى: (وقال رجل مؤمن من أل فرعون يكتم إيمانه).
4) وقوله تعالى ( ضرب الله مثلا للذين أمنوا امرأة فرعون إذ قالت ربي ابني لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين).
5) وقوله تعالى (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا). فعذر المستضعفين في تركهم إظهار الدين خوفا من المشركين.
ولكن بعد هذا كله أليس من المقرر في القواعد الكلية للشريعة الإسلامية أن {حفظ الدين مقدم على حفظ النفس}؟
إن الدين الذي حفظه مقدم على حفظ النفس هو الدين الباطن (الإيمان الباطن). فهذا الذي لا يجوز تركه تحت أي ظرف. قال صلى الله عليه وسلم (لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت أو حرقت بالنار...).
أما الدين الظاهر فيشرع تركه وإخفائه حفظا للنفس، كما هو مقرر في الأيات السابقة.
ولكن كيف يكون هذا وما شرع الجهاد إلا لحفظ الدين مع ما فيه من إزهاق للنفوس المؤمنة؟؟
إن الجهاد ما شرع إلا حين يرجى تحقق منفعته. ولذلك لم يشرع الجهاد للمستضعفين في مكة بل شرعت لهم الهجرة. ومنفعته هي المصلحة التي من أجلها شرع وهي حفظ الدين الظاهر وإقامته.
إذ على زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان الكفار يقتلون المسلم إن قدروا أو يعذبونه لمجرد مخالفته لدينهم و إظهاره لإسلامه. (و لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن إستطاعوا).
وبما أن الدين الباطن ليس لأحد عليه سبيل. فإن هذه المصلحة -أي حفظ الدين الظاهر وإقامته- لا تتحقق بالنسبة للمستضعفين بالجهاد ولكن بالهجرة.
أما إن غَلب على الظن تحقق مصلحة علو الدين وظهوره من وراء الجهاد شُرع حينئذ. وإلا وجب الصبر وشُرع إخفاء وترك ما يضاد حفظ الأنفس مما هو من الإيمان الظاهر.
ولذلك كله يشرع ترك القتال إن تحقق العجز وخيف من إزهاق الأنفس دون فائدة ترجى. وهذا إن أدى ذلك الترك لحفظ الأنفس. أما إن كان ترك القتال لا يحفظ الأنفس أيضا فلا معنى لتركه حينئذ، بل وجب الإثخان فيهم والمسلم مقتول لا محالة.
فإن تبين هذا –أي أن الدين الظاهر يشرع تركه وإخفائه حفظا للنفس- تبين بطريق الأولى أن ترك بعض واجبات الدين الظاهرة الأقل أهمية من أجل حفظ أو إقامة البعض الأخر الأكثر أهمية أمر مشروع لا غبار عليه.
ويمكن أن نستأنس هنا بما ذكر الشيخ ابن تيمية رحمه الله، حيث قال:
(إن المخالفة لهم –أي الكفار- لا تكون إلا بعد ظهور الدين وعلوه كالجهاد وإلزامهم بالجزية والصغار فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم يشرع المخالفة لهم فلما كمل الدين وظهر وعلا شُرع ذلك ومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك من الضرر بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين والإطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة).انتهى.
وهذا الأمر مشروع للأمة جمعاء إلى يوم القيامة إلا النبي صلى الله عليه وسلم وورثته من العلماء. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حينها في مرحلة تأسيس للدين فإخفائه للدين الظاهر ضياع له إذ هو المعلم والمشرع. وأما العلماء فإنه قد يحدث في بعض العصور أن تختفي معالم الدين و تمحى، فإن لم يقم العالم بإظهار ما خفي عن الناس ضاع ذلك الجزء من الدين وضل الناس.
وكما تلك القاعدة صحيحة مع النفس فكذلك هي صحيحة بالنسبة للمال فيشرع إتلاف المال إن رجي بذلك حفظ الدين الظاهر مع مراعاة الأولويات.
قال تعالى (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله).
فإن تزاحمت واجبات الدين الظاهرة قدم الأوجب والأهم. فإن تزاحما واجبان كواجب حفظ مصلحة حرية الدعوة مع مصلحة حرية الحجاب مثلا. أي أنه مثلا في بلد ما، لا تمكن من الدعوة إلا بدفع معلوم نقدي ولا تمكن من لبس الحجاب إلا بدفع معلوم أخر. قدمت مصلحة الدعوة في إنفاق المال على مصلحة الحجاب.
هذا والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وأله وصحبه.
تذكير/ هذا المقال ليس مقدسا ولا معصوما. من وجد فيه خيرا فلينشره ومن وجده باطلا فليقومه.
تنبيه/ هذا الباب دقيق جدا لا يجيده إلا الفقهاء العالمين بقواعد الشريعة ومقاصدها وكليتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...