السبت، 25 أكتوبر 2014

ردّا على شبهة أن وضع السياسات والقوانين هو من شرك التشريع/ بقلم المشرف

كثيرة هي تخبطات الناس اليوم حول رأي الإسلام لمسألة وضع القوانين والسياسات الحكومية. وقد ظنّ البعض أن هاته المسألة تدخل في باب شرك التشريع المحرّم، وذلك لترداف المصطلحات لفظا، إلا أن هذا الترادف تراداف لفظي غير معنوي، ولكشف هذا الإلتباس، كتبت هذا الحوار تقريبا للمسألة من المتلقي لعلها تجد أذن واعية:

قال : كيف تبيح الانتخابات، وهو وسيلة لانتخاب مشرعين من دون الله؟
قلت: أما مشرعين فنعم، وأما من دون الله فلا،

قال : كيف؟
قلت: أرأيت السجود لرجل صالح، أسجود له من دون الله هو؟

قال: نعم
قلت: كلاّ

قال : كيف؟
قلت: أشرك هو؟

قال : أمممم!!
قلت: كلاّ، هو ليس شركا وهو وإن كان سجود لغير الله ولكنه ليس من دون الله.

قال :كيف؟
قلت : السجود لغير الله محرّم لكنّه لا يكون سجودا من دون الله وهو الشرك حتى يكون متضمنا لاعتقاد الاهيته، فساعتها يكون من جنس سجود بلقيس للشمس ( تسجد للشمس من دون الله) تدبّر (من دون الله) . أما بغير هذه الصفة فهو سجود لغير الله ولكن ليس من دون الله، كسجود يعقوب عليه السلام ليوسف. وهذا كان مشروعا في زمانهم وحُرّم في شريعتنا.
فليس كل سجود لغير الله هو سجود من دون الله.

قال: نعم، فهمت.
قلت: فإن فهمت ذلك، فكذلك هذا التشريع الذي يمارسه مجلس النواب، كان من قبل يمارسه السلطان، وهو تشريع مباح، بل هو تكليف كالحكم تماما بين الناس، فتنصيب الحكام ليحكمون بين الناس لايقول عنه أحد هو تنصيب لحكام من دون الله حتى وإن كانوا ظالمين ،ولا يقول فيه أحد ( إن الحكم إلا الله).
فهذا الحاكم المنصّب إن حَكم بما يتفق مع قواعد الشرع المنزّل وأحكامه كان مصيبا مطيعا وإن حكم بخلافه كان مخطئا أثما.
وكذلك التشريع فتنصيب مشرّعين لسياسات الدولة لا يصح أن نقول عنه تنصيب مشرعين من دون الله.
فإن شرّعوا قوانين ووضعوا سياسات تتفق مع الشرع المنزّل الذي يدين به الناس، كانوا مصيبين مطيعين، وإن خالفوا ذلك كانوا أثمين ظالمين.

قال: أليس النظام الديمقراطي هو الذي أعطي حق التشريع لغير الله؟
قلت: لا، فحق التشريع هذا من حق الأمة مثل الحكم وإنما الجديد في النظام الديمقراطي على النظام التقليدي للحكم ليس إحداث مؤسسة التشريع، وإنما فصلها من يد السلطان لتكون بيد نقباء أخرين أكثر قربا من الأمة وبتوزيع السلطة يكون ذلك سببا لمنع الاستبداد الذي ما انفك ينخر الأمم من جراء تجميع السلطات بيد شخص واحد.

قال لي: فهل للناس الحق في وضع السياسات التي يشاؤون، مثل ما هو في الغرب،
قلت: لا، لأن سياساتهم التي يضعونها يجب أن تكون وفق الشرع المنزل وإلا كانت أثمة.

قال لي: فما الذي جعل التشريعات والقوانين الغربية لا دينية بهذا الشكل؟
قلت: تلك هي الليبرالية والماركسية واللادينية وليس الديمقراطية ، تلك العقائد الضالة هي التي جرّدت النّاس من واجب التديّن لله بالتزام شرعه ودينه في وضع السياسات وأحلّت لمن يعتقدها الخروج عن شرع الله المنزّل إلى غيره من تخمينات البشر وأوهامهم الظالمة الجاهلة.

قال : ولكن متى برأيك يكونون مشرعين من دون الله؟
قلت: إن أدّعوا أن تشريعاتهم السياسية هي الحلال والحرام الذي على الناس أن يدينوا به لله فهذا كفر في حقهم وشرك في حق غيرهم لأن ذلك حق الله الخالص في تشريع الحلال والحرام والدّين للناس في باب السياسة والعبادة والمعاملات والأخلاق وغيرها. فمن نازع الله في حقه في تشريع الحلال والحرام في أيّ مجال من مجالات الحياة فهو كافر ومن تَبِعَه كان مشركا.

قال : فإن لم يدّعوا ذلك ولكنهم رأوا أنه لا إثم عليهم في وضع قوانين وسياسات مخالفة لما أنزل الله؟
قلت: كفروا في هذا بما استحلوا مما حرّم الله من مخالفة سياسة النّاس بخلاف ما شرع وأنزل دينا لهم.

قال:  فإن لم يدّعوا ذلك وأقرّوا أن عليهم إثم في وضع قوانين وسياسات مخالفة لما أنزل الله ولكنهم ادّعوا أن سياستهم المخالفة لقواعد وأحكام الشرع المنزّل خير مما أنزل الله من سياسات وقواعد؟
قلت: كفروا لتفضيلهم هذا، ولكن هنا وجب التنبيه أنه قد يلتبس تفضيل الغايات مع تفضيل الوسائل فتفضيل الغايات والمقاصد كفر أما تفضيل الوسائل فليس كفر دائما، وبيان ذلك أن الرجل قد يقول أنّ السجن للسارق في الوقت الحالي خير من القطع لانتشار الفقر والحاجة وضعف الدولة ولا يكون كافرا،
هذا والله أعلم وأحكم.

قال: أه، الأن فهمت.
انتهى.

في فلسفة العقوبات في الشريعة الإسلامية للمستشار والدكتور محمد وفيق زين العابدين

ردا على منتقدي العقوبات الشرعية كتب المستشار والدكتور محمد وفيق زين العابدين بشأن فلسفة العقوبات الشرعية ما يلي ؛

فالعقوبات الشرعية متعددة متنوعة بحسب الغرض المُبتغى من ورائها ، فقد يُناسب الحبس جريمة ما لا يناسبها غيره ، وقد يحقق الجلد الردع الخاص لجاني لا يردعه غيره ، وقد يكون الرجم هو السبيل الوحيد لتحقيق الردع العام في جريمة ما ، فكل عقوبة لها اعتبارات خاصة بها لمنع الجاني من مقارفة الجريمة التي وضعت لأجلها ، فلا تفيد في منع جريمة غيرها ..

فكل عقوبة من العقوبات الشرعية لها خصائصها الفريدة التي تميزها عن العقوبات الوضعية ، فمثلًا تُعد عقوبة [ الجلد ] بصفة خاصة من أكثر العقوبات ردعًا للمجرمين ، لأنها ذات حدين فيمكن أن يُعاقب بها كل مجرم بالقدر الذي يُلائم جريمته ويتفق مع شخصيته في آن واحد ، وتمتاز هذه العقوبة أيضًا بأنها تنفذ في الحال فلا تُثقل كاهل الدولة ولا تعطل المحكوم عليه عن عمله ، ولا تُعرضه لخطر السجن ومخالطة الأشرار ، ولا تمس آثارها سواه ممن يعولهم أو يلتزم نحوهم بالتزام شرعي ، ولهذا كانت أكثر العقوبات التي استخدمها الولاة والقضاة قديمًا في ردع المجرمين في جرائم التعازير ..

أما عقوبة [ الحبس ] في التشريع الإسلامي فهي تختلف في ضوابطها كليةً عن النظم الوضعية ، فهي عقوبة أصلية وأساسية في القوانين الوضعية سواء كانت المفسدة في الجريمة المعاقب عليها جسيمة أو بسيطة ، وهي محصورة بين حدين أقصى وأدنى ، وتقديرها بين هذين الحدين يخضع لسلطة القاضي التقديرية ، فما يراه القاضي زاجرًا للجاني لا يراه غيره كذلك عن ذات الجريمة ، بل ما يراه القاضي رادعًا في واقعة قد لا يراه كذلك في واقعة أخرى عن ذات الجريمة ، ولا شك أن هذا يسلب العقوبة أهم مقوماتها وخصائصها من حيث كونها عامة مجردة وهو ما يكفل لها تحقيق الردعين العام والخاص ، فضلًا عن أن تقديرها بالمعيار المتقدم تحكمي ليس بموضوعي ، إن صح في زمان فلن يصح في آخر ، وإن صح في مكان فلن يصح في آخر ، وإن زجر جانيًا فلن يزجر آخر .. وقد ترتب على كون الحبس العقوبة الأصلية في النظم القانونية الوضعية الحديثة أن ازداد عدد المحكوم عليهم بالحبس إلى حد امتلاء السجون بالمحبوسين حتى ضاقت بهم على سعتها وتعددها , وأصبحت في الواقع العملي - كما يُشير أساتذة علم الإجرام والعقاب - مدارس لتعليم فنون الجريمة وتبادل المعلومات والخبرات الإجرامية ، ومعاهد يلتحق بها صغار المجرمين وبُسطائهم فيتخرجون وقد احترفوا مهنة الإجرام وتعلموا فنون الجريمة وطرق ارتكابها والإفلات منها ، فبدلًا من أن تقي هذه الكيانات المجتمع من الإجرام باتت كيانات لإفساد المسجونين شبه الصالحين والارتقاء بهم إلى مستوى المجرمين المفسدين ، ولم يجد في إصلاح هذه الكيانات النفقات الباهظة التي تنفقها الدولة للنهوض بالمنظومة العقابية أو حتى العقوبات الصارمة والمعاملة السيئة للمسجونين ..

الجمعة، 24 أكتوبر 2014

العدد 7 من صحيفة الجمعة ليوم 24 أكتوبر 2014 الموافق لـ30 ذي الحجة 1435

الصفحة 1  (انقر على الصورة للتكبير)
الصفحة 2 (انقر على الصورة للتكبير)

حسنُ الخُلق

بسم الله الرحمن الرحيم 
عباد الله
ما منا من أحد إلا وهو يحب الرسول  ، ويرجو أن يكون من أقرب الناس إليه مجلسًا يوم القيامة، وما منا من أحد إلا وهو يطمع أن يكون من أحب الناس إليه؟! فما القرب إليه  في ذلك اليوم إلا قرب من الجنة ودُنوٌّ من رحمة الله عز وجل.
فأي شيء هذا الذي يتحقق به القرب إلى الحبيب  يوم القيامة ويجعل المرءَ محبوبًا إليه؟
أَمَا إنه ليس بكثرة الصيام والحج، وليس هو بالمبالغة في الزهد،و لا يتطلب بسطة في الجسم والعلم ولا جاهًا ولا مالا، فما عساه أن يكون؟؟
إنه حُسْنَ الخُلُق،
طفلة صغيرة تهدي جندي تونسي زهرة شكرا للجيش على موقفه ابان الثورة لتونسية
قال رسول الله  : ( إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا) رواه الترمذي. ولقد بعَث الله نبيَّنا محمّدًا  للدَّعوةِ إلى الأخلاقِ الصَّالحة، قال عليه الصَّلاة والسَّلام: (نَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ ) رواه أحمد.

الخميس، 23 أكتوبر 2014

تعليق حول تصريحات العروي عن حادثة وادي الليل بقلم المشرف

*العروي الأحمق يقول بالأمس في نشرة الأخبار: سنقضي عليهم سريعا!!!
كلمات مستفزة أرعنة غليظة وكأننا أمام أمير حرب وقائد عصابة لا أمام مسؤول أمن وممثل لدولة!!
أي دولة هذه تتعمد قتل مواطنيها دون محاكمة عادلة؟؟
قد يقول قائل ولكنهم مسلحين!
صحيح، هم مسلحون ولكن لا يعني ذلك مشروعية القضاء عليهم ابتداء في غير دفاع عن النفس.
امتلاك السلاح وإن كان مخالفا للقانون والإمتناع عن تسليمه غير مبيح البتة قتل مالكه.
أي دولة تحترم نفسها، تستطيع استعمال كل الوسائل الممكنة للقبض على المجرمين أو المتهمين كالغاز المنوّم أوالحصار ومن ثم محاكمتهم وإلا لا يمكن أن تحدث عن دولة بل عن ميليشيات مسلحة.
إن القتل العمد مجرّم مهما كان فاعله، وأن تصبح الدولة حامية القانون هي أول من يفعله تحت أعين الجميع، فذاك بداية الفشل والانهيار الأخلاقي والقيمي.
لقد قامت في أمريكا أزمة حادة إثر إغتيال أنور العولقي المواطن الأمريكي بغير محاكمة تحت ذريعة الحرب على الإرهاب، وهذه العملية كانت خارج الحدود والقبض على المتهم متعذر، وأعتبرت العملية غير أخلاقية وغير قانونية. فما بالك بمن هم داخل الحدود وتحت السيطرة والقبض عليهم ممكن ومعهم نساء!!!
أقول هذا لأني أعرف أن الدم لن يجلب إلا الدم وأن الظلم خراب العمران ومدمّر الأوطان.
سيقول قائل أنت متعاطف! أو مثالي! فليقولوا!!
لا يهمنا أن يقولوا، المهم أن نقول ما يرضي ربنا وضميرنا. المهم أن نحترم أنفسنا قبل أن نطالب الغير باحترامنا. المهم أن نبني دولة قبل أن ننتصر على ما يسمى الإرهاب. فليعلموا أن الإنتصار على الإرهاب يكون أخلاقيا وقيميا قبل أن يكون عسكريا وأمنيا.

الاثنين، 20 أكتوبر 2014

الانتخابات التونسية القادمة/ فتوى بقلم الشيخ قيس الخياري

س : لماذا ترقى المشاركة في الانتخابات إلى حكم الوجوب ؟

ج : آلية الانتخاب وسيلة قد يتوصّل بها لإحقاق الحقّ وقد يتوصّل بها إلى ضدّ ذلك من ترسيخ الباطل فحكمها عند الفقهاء هو حكم الوسائل المؤدية إلى المقاصد ، فتكون مما تكتنفه الأحكام الخمسة : الوجوب والاستحباب والإباحة والكراهة والتحريم ، فحكم الوجوب هو إذا تعيّنت طريقا لمصلحة واجبة أو ضرر يُزال كأن تتحقّق بها المدافعة عن المسلمين في دينهم وأعراضهم وأموالهم والدّفع في صدور من ينتهك ذلك منهم ويستضعفهم فما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب وهكذا بعد ذلك ما لا يتمّ المستحبّ إلاّ به فهو مستحبّ وما أدّى إلى محرّم فهو محرّم ... حتّى يدور الأمر على الأحكام الخمسة بحسب الحال ، و يُفتى بالوجوب إذا كانت تجلب مصلحة أو تدفع ضررا جليّا متيقّنا مع ظهور الفساد في تركها قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم : " لا ضرر ولا ضرار " .
وأيضًا فمن لم ينتخب الأقلّ شرّا فقد انتخب الأشدّ كفرًا ونفاقا والأجدر أن لا يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله فإنّ تركه واعتزاله هو إقدام وفعلٌ من حيث يشعر أو لا ، فإنّ جمهور أهل الأصول على أنّ التّرك فعلٌ ، لتسمية الله ترك التّناهي عن المنكر "فعلا" كما قال تعالى : (( كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا " يَفْعَلُونَ " )) ، وهذا كمن يمرّ على متخاصمين ظالم ومظلوم فإنّه لا يسعه مع القدرة على نصر المظلوم إلا نصره حتّى يستردّ حقّه ، وفي "الصّحيحين" عن البراء قال " أمرنا رسول الله بنصر المظلوم" ، فكيف إذا تعلّق الخصام بحقوق المسلمين العامّة وأعظمها حقّ إظهار الشّعائر والدّعوة إلى الله ودينه مع حفظ سائر كليات الشرائع ؟ فمن ادّعى أنّه يسعه اعتزال الانتخابات بإطلاق فقد جهل هذا الأصل أيضًا .
الشيخ قيس الخياري

أسئلة وأجوبة حول الديمقراطية والانتخابات وطبيعة المرحلة القادمة/ بقلم المشرف

1)      هل ممارسة الديمقراطية يتعارض مع إقامة الشرع؟
 الديمقراطية هي طريقة للحكم (فصل السلطات، التداول السلمي على السلطة،...) ووسيلة سلمية لإدارة الخلاف ليس إلا، هذه هي الديمقراطية عندنا وليس كما هي عند الغرب لا تنفك عن الليبرالية واللادينية لطبيعة نشأتها عندهم إبان صراعهم مع الكنيسة وقيصر.

يقول الشيخ حامد العلي حفظه الله: (النظام السياسي الإسلامي ، ينظر إلى مصطلح ( الديمقراطية) ، إلى أنه قد أصبح لـه بالاستعمال العرفي الواسـع ، معنيان : أحدهما : ثقافة غربية تابعة لهوية الغرب ، وتسعى لتحقيق أهدافه . والمعنى الثاني : وسائل ، وآليات ، ونُظم ، من شأنها أن تحسِّن أداء الدولة ، وتكفَل الحقوق ، وتصون الحريات المشروعة . وهي بالمعنى الأول تتضَّمن ما يناقض الإسلام _ يستثنى ما يشاركنا الغرب فيه من المفاهيم الحقّة _ وأما بالمعنى الثاني فلها حكم سائر الوسائل ، والنظم ، والأصل فيها الإباحة.)
2)      إن كنتم عاجزين عن إدراك تحكيم الشرع كاملا فلم لا تتركون الانتخابات جملة وتفصيلا؟
عجزنا عن إدراك الكل لا يبيح لنا ترك الجزء الذي يمكننا إصلاحه. فلو قدّر أنه لا يمكننا تولية حاكم مسلم صالح وأمكننا تولية حاكم كافر عادل ثم لا نفعل فتولّى أمر الناس حاكم كافر ظالم بسبب تقصيرنا لكنا أثمين مذنبين.
يقول السعدي رحمه الله، في تفسيره عند قوله تعالى ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز/ (فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار، وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية، لكان أولى، من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية، وتحرص على إبادتها، وجعلهم عمَلَةً وخَدَمًا لهم. نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين، وهم الحكام، فهو المتعين، ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة، فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة، والله أعلم.)
3) هل المرحلة القادمة مرحلة ذات بعد اقتصادي فحسب؟
المرحلة القادمة لا يمكن اختزالها في البعد الاقتصادي وإن كان مهم، بل هي مرحلة بناء شامل للدولة، وأخشى ما أخشاه هو مزيد تكريس النَفَس والتأويل الليبرالي للقوانين الدستورية وطبيعة الدولة، وأنا لا أقول أنه من السهل استصلاح كل القوانين ولكن على الأقل الانطلاق في تكريس التأويل الإسلامي، وقد ضربت مثال لذلك (أنظر في الأسفل).
4) هل القوانين التونسية مخالفة للشريعة الإسلامية؟
 مسألة أن القوانين التونسية قوانين مخالفة للشريعة الإسلامية قول صائب من ناحية ومخطئ من ناحية أخرى. كيف ذلك؟ ذلك أنّ الفلسفة التي بنيت عليها هذه القوانين هي فلسفة ليبرالية وليست فلسفة إسلامية في الغالب وهذه هي المصيبة أما النظر لهذه القوانين مجرّدة فكثير منها موافق للشريعة الإسلامية. (راجع المثال أسفله).
5) هل المرحلة القادمة مرحلة تكريس للحرية فحسب والحديث عن إصلاح القوانين حديث قبل أوانه؟
أن نكون أحرار فهذا أمر جدّ مهم ومفصلي بالنسبة لنا، وأن نكون متساوين مع غيرنا كذلك، لكن الخطير والخطير جدا هو وضع سكة الدولة على قطار الليبرالية فوقتها مطالبتك، حتى بعد 100 سنة بأي إصلاح لا يتوافق مع العقيدة الليبرالية يعتبر مخالفا للدستور وتأويله ولذلك فطلبك غير قانوني وغير دستوري، إلا أن يقع تغيير الدستور أو الانقلاب على الدولة ووضع دستور جديد وهذا أمر غاية في الصعوبة إلا أن يشاء الله.
المطالبة بالشريعة الإسلامية في الدولة الليبرالية يعتبر خروجا على النظام والدولة لأن الشريعة الإسلامية التي تتدخل في تصرفات الأفراد وأفعالهم تناقض الليبرالية التي تعتبر الحرية الفردية مقدسة لا يجوز التدخل فيها تحت أي ذريعة إلا المصلحة العامة. ولذلك فتكريس الليبرالية يمكن أن يقود إلى حرب النظرة الإسلامية للسياسة عاجلا أم أجلا.
6) هل النهضة أو المؤتمر سيعيد شريعة الله كاملة إلى الحكم؟
المؤتمر وحتى النهضة ولا غيرهم لا يمكنه فعل الكثير طالما الشعب لا يزال يعاني من الجهل والتفريط وقلة الدين والعنصرية، مهمّة هذه الأحزاب في هده المرحلة الإصلاح قدر المستطاع من إرساء للحرية واحترام للقانون وحماية لمبدأ التشاركية في إدارة الدولة ومحاربة الفساد وبعث النَفَس الإسلامي في القوانين. ثم باستصلاح المجتمع شيئا فشيئا سينصلح الحكام وكما قال صلى الله عليه وسلم كيف ما تكونوا يولى عليكم. ومتى أنصلح حال حكّامنا وارتضوا الشريعة الإسلامية وسيلة لحكمنا، فقد أدركت غايتنا ولله الحمد.

7) هل حركة النهضة حركة انتهازية؟
أما ما ثبت عندي فإن حركة النهضة في مسيرتها لم تخن الأمانة وإن كان بعض الناس يظن خلاف ذلك، لقد اجتهدت الحركة في ظرف معين وحاولت الإصلاح ما استطاعت، مؤثرة المصلحة الإستراتيجية على المصلحة الظرفية.
حتى التحالفات مع أحزاب النظام البائد أو غيرها فهذه تقتضيها المصلحة العامة ولا حرج فيها، بل بالعكس الواجب تأليفها وإدماجها ومن ثبتت خيانته للبلاد فيحاسب منفردا فالعقوبة شخصية.
والواقع أنه لو أحسنا نحن استغلال الفترة القادمة في إصلاح المجتمع ستختفي تلك الأحزاب جميعها أو على الأقل تخف حدتها المعادية للدين ولا أدل على ذلك من القوائم المترشحة للانتخابات الحالية لو تسمع إلى برامجها؟، كلها تغازل الشعب بالمرجعية الإسلامية والهوية العربية إلخ ، وإن دلّ هذا على شيء فهو يدلّ على بداية اندثار العقلية اللادينية شيئا فشيئا وهذا ما نريده، ولسنا نريد من المسلمين كلهم أن يفهموا الدين والشريعة كما نفهمها ولكن نريد منهم على الأقل تجنب العقلية الليبرالية العفنة.

وأخيرا، إن كنا بين خياري الاستبداد أو الحرية والليبرالية ففي شرّ أهون من شرّ.
هذا والله أعلم
----------------------
*
مثال عن قوانين تونسية
أما السرقة والخطف والقتل وكل ما فيه اعتداء مادي على الغير بغير رضاه فلا خلاف في منعه شرعا و قانونا وهذا معلوم.
أما الزنى، فهي في القانون التونسي إما/
1*
علاقة جنسية بمقابل خارج المؤسسات المرخصة=خناء = ممنوع (فلسفة تجارية وصحية)
2*
علاقة جنسية لأعزب عبر المؤسسات المرخصة=مسموح به (فلسفة حقوقية ليبرالية وتجارية)
3*
علاقة جنسية بالاكراه= ممنوع (فلسفة حقوقية)
4*
علاقة جنسية لمتزوج خارج إطار الزواج=ممنوع (فلسفة حقوقية، حتى أنه الوحيد الذي له حق رفع الدعوى هو القرين)
5*
علاقة جنسية للقصر=ممنوع (فلسفة حقوقية)
6*
علاقة جنسية للراشدين العزاب بالتراضي دون مقابل= مسموح به (فلسفة حقوقية ليبرالية)
في الحالة الثانية والأخيرة، القانون مخالف للشريعة الإسلامية رغم أنه متفق معها في أغلب الحالات الأخرى، توافقا غير مقصود، وذلك بسبب الفلسفة الليبرالية التي بني عليها القانون التونسي.
ما يجب علينا في المرحلة القادمة هو تخفيف حدّة هذه الفلسفة الليبرالية مقابل تدعيم الفلسفة الإسلامية في استنباط القوانين وتفسيرها.
فمثلا، لو نجحنا في معركة إثبات تجريم الحالة الأخيرة من أنواع العلاقات الجنسية بعلّة مخالفتها لتعاليم الإسلام، بالنسبة للمواطنين المسلمين فقط طبعا، نكون قد حققنا شوطا كبيرا نحو اعتبارية الفلسفة الإسلامية في وضع القوانين وتأويل مبادئ الحريات العامة المضمنة في الدستور. حتى وإن كانت العقوبة مخففة جدا كالسجن لبضعة أشهر، أو غيرها.
قلنا المسلمين فقط لأن فلسفة الإسلام في الزنا تجريمه على من يعتقد حرمته، فالكفار غير ملزمين بهذا المنع ولا يتعرّض لهم في الزنى طالما لم يشهروا ذلك.
ملاحظة : وهو أنه في التطبيق العملي للقانون، الحالة الأخيرة حتى وإن كانت ممنوعة قانونا فإن إثباتها وفق الظوابط الشرعية (أريعة شهود يرون الميل في المكحلة) أمر غاية في الصعوبة والندرة، وبالتالي فالقانون لن يحدّ كثيرا من الجريمة بطريقة مباشرة ولكن بطريقة غير مباشرة وهو التخويف والردع أولا ثم منع إشهارها ثانيا (وهذا هو الأهم، منع إظهارها في الشارع ومنع وسائل الإعلام من تزيين هذه الجريمة أو الدعوة إليها بأي شكل). (قال صلى الله عليه وسلم (كل أمتي معافى إلا المجاهرون)) وقال ( أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله ما أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله).

لماذا النهضة وليس المؤتمر؟ بقلم المشرف


بسم الله،
كثُرَ الجدل في الأونة الأخيرة بين الإخوة الأفاضل من الأحرار والحرائر حول اختيار الحزب المناسب لقيادة المرحلة القادمة، فبين مناصر للنهضة متمسك بخلفيتها الإسلامية، متغاض عن تعثّراتها في تحقيق أهداف الثورة من محاسبة للفاسدين وإصلاح لمؤسسات الدولة وإرساء لقيم الحرية والعدالة، إلى مناصر للمؤتمر، متمسّك بثوريته وصلابته في الحقّ، متغاض عن سلبيته الليبرالية ونقص خبرته السياسية.
والحق أن الأمر محيّر نوعا ما، قد أشاطر الكثيرين فكرة أنّ المؤتمر ستكون مهمته أسهل في محاربة الفساد وتركيز النظام، لبُعده عن تهمة التحيّز وقلّة الحاقدين عليه من الملء المعادي للدين من المتنفذين في الدولة أو الإعلام، ولكن لو كانت المسألة مسألة فساد ومحاسبة وإرساء قيم الحرية والديمقراطية وكفى، لكان في المؤتمر كفاية ولكن المسألة أكبر، فنحن اليوم مقبلون على بعث جديد لروح الدولة في بلادنا فالمرحلة القادمة ستكون مرحلة سنّ قوانين جديدة ومراجعة للنُظم والقوانين القديمة لتتلاءم مع الدستورالجديد، فإما سيكون هذا البعث بعثا اسلاميَّ الروح وإما ليبرليَّ الروح،
وكما هو معلوم، فالدﺳﺎﺗﻴﺮ، ﻭﺍﻟﻘﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﺪﺳﺘﻮﺭﻳﺔ، ﺗﻜﻮﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻐﺎﻟب ﻣﺠﻤﻠﺔ، ﻭﻳﺪﺧﻠﻬﺎ ﺍﻟﺘﺄﻭﻳﻞ ﻣﻦ ﺃﻭﺳﻊ ﺑﺎﺏ، ﻭﻟﻨﻀﺮﺏ ﻣﺜﺎﻝ، ﻓﺤﺮﻳﺔ ﺍﻟﺮﺃﻱ ﻣﺜﻼ ﻣﺒﺪﺃ ﺇﺳﻼﻣﻲ ﻭﻟﻴﺒﺮﺍﻟﻲ، ﻭﻫﻮ ﻣﺠﻤﻞ، ﻓﺘﻔﺼﻴﻠﻪ ﺇﻟﻰ ﻗﻮﺍﻧﻴﻦ ﻣﻔﺴّـِﺮﺓ ﻣﻦ ﺑﻌﺪُ، ﻗﺎﺑﻠﺔ ﻟﺘﺘﻮﻟﻰ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ ﺍﺣﺘﺮﺍمها ﻭﺗﻨﻔﻴﺬﻫﺎ ﺑﻌﻴﺪﺓ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﺄﻭﻳﻞ، ﺳﻴﻜﻮﻥ ﺑﻮﺿﻊ ﺣﺪﻭﺩ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﺤﺮﻳﺔ، ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺪﻭﺩ ﺇﻣﺎ ﺳﺘﻜﻮﻥ ﻣﺘﻔﻘﺔ ﻣﻊ ﻣﻘﺎﺻﺪ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ (ﺗﻮﻃﺌﺔ ﺍﻟﺪﺳﺘﻮﺭ، ﺍﻟﻔﺼﻞ 1 ﻭ 6 ) ﻓﻼ ﻃﻌﻦ ﻓﻲ ﻣﺎ ﻫﻮ ﻣﻌﻠﻮﻡ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺑﺎﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻣﺜﻼ ﻭﻻ ﻗﺬﻑ ﻟﻠﻤﻮﺍﻃﻨﻴﻦ ﻭﻏﻴﺮﻩ ﻭﺇﻣﺎ ستكون ﻗﻴﻮﺩ ﻟﻴﺒﺮﺍﻟﻴﺔ ﺗﻘﺪّﺱ ﺣﺮﻳﺔ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻋﻠﻰ ﺣﺴﺎﺏ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻟﺸﺮﻉ ﻭﺍﻟﻌﺮﻑ . ﺛﻢ ﻣﻦ ﻫﻨﺎﻙ ﻳﺒﺪﺃ ﺗﺄﻭﻳﻞ ﺑﺎﻗﻲ ﻓﺼﻮﻝ ﺍﻟﺪﺳﺘﻮﺭ ﺇﻣﺎ ﻭﻓﻖ ﻣﻘﺎﺻﺪ ﺍﻟﺸﺮﻉ ﺃﻭ ﻗﺮﻳﺒﺎ ﻣﻨﻪ ﻭﺇﻣﺎ ﻭﻓﻖ ﺍﻟﻠﻴﺒﺮﺍﻟﻴﺔ ﺃﻭ ﻗﺮﻳﺒا ﻣﻨها.
هذا ما يمكن أن يمثل، على الأقل بالنسبة لي ولكثيرين منْ من يشاطرني، هاجسا بالغ الأهمية!!!
ولكن من جهة أخرى، لو عُرض علينا الليبرالية والحرية في مقابل الانقلاب عل الثورة والاستبداد لاخترنا الليبرالية وكان لنا فيها شرّ أهون من شرّ،
هذا والله أعلم وأحكم.

الأحد، 19 أكتوبر 2014

سلفيّة العصر بقلم الشيخ قيس الخياري

سلفيّة العصر والاعتقاد قبل الفهم أو الفهم المباشر دون المؤصّل

أصل أخطاء السّلفيّات المعاصرة يجمعها سوء فهمهم للشّعار المفترض لأهل السنّة وأتباع السّلف ؛ وهو عبارة ( على فهم سلف الأمّة ) ، فإنّ الذي ينبغي من معناها الصّحيح هو = فهم الوحي انطلاقًا من أصول الفقهاء وقواعد السّلف وما اتّفق عليه المجهتدون ، للوصول إلى فهم صحيح لا يخرج عن الإجماع ولا يشذّ عنه ؛ ولذلك سُمّي أهل السنّة قديمًا ( الجماعة ) ، أمّا هؤلاء فيعتمدون = استنباطًا مباشرًا واستدلالا مستقلّا دون إمراره على أصول الفقه وقواعد السّلف ؛ فينطلقون من فهمهم هم للآية والحديث والآثار وكلام السّلف وينسبون جميعه للسّلف بداعي وضوح المعنى ! 
قال ابن وهب ـ كما في "الجامع لابن أبي زيد القيرواني" ص (150-151) ـ : ( كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه فهو ضال , ولولا أن الله أنقذنا بمالك والليث لضللنا ) .
وهكذا النّاتج عن استسهال العلم وأصوله من جمهور المنتسبين للسّلف في هذا العصر = فهومٌ أكثرها سطحيّة ، وفي أحسنها ظاهريّة ، مع كثرة التّناقض فيها ، مع اختلافهم فيما بينهم في كلّيّات وفيما يجعلونه كلّيّات ، فكلّ ذلك نتيجة عدم الجريان على ما ينضبط ، وهي الأصول التي اتّفق عليها السّلف والقواعد التي لم يسوّغوا الخروج عنها ، فخرج عنها هؤلاء إلى فهوم مستقلّة ولم يرعوا ( فهم السّلف ) حقّ رعايته ، ولولا ذاك لانضبط ( فهم السّلف ) عندهم ولما اختلفوا في أصول !
الشيخ قيس الخياري
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...