تأصيل شرعي لمسألة الانتخابات التونسية القادمة
بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على نبينا المصطفى، وبعد، فإنه يشاع هذه الأيام السؤال عن مشروعية الانتخابات القادمة التي ستشهدها البلاد التونسية. ونظرا لأهمية الموضوع واضطراب كثير من الناس فيه فإنه أصبح من الضروري صياغة تأصيل شرعي لتلكم المسألة ليتقدم من يريد التقدم عن بينة ويتأخر من يريد التأخر عن بينة، خاصة وقد وصل الأمر بالبعض أن كفّر من يشارك فيها ووسمه بالردة و الفسق ولا حول ولا قوة إلا بالله. ويا ليت شعري لو أنصف منصف لكانت تلكم الكلمة أحرى به هو منه.
لقد كانت الحروب التقليدية بين الجماعات والدول ولا زالت تقوم على مبدأ أساسي و أزلي وهو (الحكم للأقوى). فالأقوى من بين المتحاربين ينتصر. والمنتصر هو الذي يفرض شروطه وأحكامه مهما كانت على المنهزم شاء ذلك أم أبى. والمنهزم مستسلم لا حول له ولا قوة فقد خسر الحرب، والخاسر دائما يتحمل كل التبعات. للانتصار والاقتدار نشوة تنتاب المنتصر غالبا ما تثيرعنده نزعة الانتقام والتشفي من المنهزم.
لذلك ومنعا للمسلمين من البغي والظلم عند المقدرة، فقد حذر
الله سبحانه المسلمين في الحرب من العدوان وأكد ذلك بخبره عن كراهته
للمعتدين، قال سبحانه (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن
الله لا يحب المعتدين). من جهة أخرى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم (أن
قوماً كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداوة, فأظهر الله أهل الضعف
عليهم, فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم, فأسخطوا الله عليهم إلى يوم
القيامة). قال إبن كثير: معناه أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء
فاعتدوا عليهم فاستعملوهم فيما لا يليق بهم,أسخطوا الله عليهم بسبب هذا
الاعتداء.
إن الداخل في هذه النوعية من الحروب كان ولا يزال يعتمد في
نصره على القوة. القوة بكل معانيها المادية (عدد الجنود وعدتهم وكفاءتهم)
والمعنوية (عدالة القضية).
أما اليوم، وإثر التطور الاجتماعي و
السياسي للجنس البشري فقد ظهر وأنتشر نوع جديد من الحروب. نوع جديد لا قتال
فيه ولا دماء. هذا النوع لا يقوم على مبدأ (الحكم للأقوى) وإنما على
مبدأ(الحكم للأغلب). فكل المتخاصمين يضعون أسلحتهم على جنب ويدخلون في حرب
الدعوة والحشد والإقناع والذي يستطيع أن يحشد أكبر عدد من الأنصار
والداعمين هو الذي ينتصر حتى وإن كان الأقل عدة وسلاحا. هذه الحرب تسمى
الانتخابات. فصاحب الأغلبية العددية هو الذي ينتصر. والمنتصر هو الذي يفرض
شروطه وأحكامه على المنهزم شاء ذلك أم أبى.
هذا المبدأ أي مبدأ(الحكم
للأغلب) ليس جديدا على المسلمين إذ هو بالأساس مبدأ إسلامي صرف تقوم عليه
أصل الشورى في السياسة الشرعية الإسلامية في إدارة شؤون المسلمين وتولية
الولاة والأمراء.ففي غزوة أحد مثلا استشار النبي صلى الله عليه وسلم
المسلمين في الخروج لمقاتله قريش أو البقاء، فأبى أغلبية المسلمين إلا
الخروج، فأخذ الرسول برأيهم. روى الحافظ ابن كثير(وشاورهم في أحد في أن
يقعد بالمدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم). ويقول
الغزالي في مسألة ( إذا بويع لإمامين): أنهم لو اختلفوا في الأمور وجب
الترجيح بالكثرة.
إلا أن ما يعتبر جديدا في هذه الأزمنة المعاصرة هو
أن يستعمل هذا المبدأ لأول مرة بين المسلمين وغيرهم (تنبه غير المسلمين) في
فض النزاع بينهم.
ولذلك تجد بعض الناس يشبه الانتخابات بالشورى
لأنهم يعتمدون على نفس المبدأ (الحكم للأغلب)، إلا أن هذا التشبيه غير دقيق
فالشورى هي الآلية الواجبة بين المسلمين (والمسلمين فقط) في إدارة شؤونهم
وفض نزاعاتهم في غير إقامة القطعيات من الدين وفي المسائل السياسية. ولكنها
محرمة مع المقدرة في فض النزاعات مع المسلمين (أو غيرهم) في إقامة
القطعيات من الدين لأنها تنازل عن إقامة بعض الدين مع المقدرة على الإلزام
به.