الجمعة، 16 يناير 2015

أنا لست تشارلي ايبدو


بسم الله الرحمان الرحيم،
على اثر العملية الدموية التي ضربت صحيفة تشارلي اييدو، توالت ردود الفعل بين مندد ومؤيد، خاض فيها الكثير وأدلى فيها كل بدلوه، 
علق البعض فقالوا ارهاب، تلك الكلمة السحرية الحاضرة في كل محفل،
وعلق أخرون فقالوا حرية تعبير مهددة
وعلق أخرون فقالوا يستحقون والبادي أظلم،
أمام هذه التباينات التي تجعل الحليم حيران أردت أن أبين بعض الأمور لعلها تعين في تحديد موقف صحيح من هذه الحادثة يرضي الله سبحانه وتعالى ويرضي المسلمين ويكون منصفا بيننا وبين من خالفنا في الدين،
1. سب الآخرين والنيل منهم واهانة مشاعرهم في مقدساتهم ليس من حرية التعبير في شيء وإن زعم الزاعمون وافترى المبطلون ولذلك فإن ما قامت به الصحيفة المذكورة من السخرية من مقدسات المسلمين لهو جرم وعدوان على أمة وشعوب بأكملها، عدوان لا مرية فيه، كل العقلاء والمنصفون يقرون بذلك.
2. يجب أن لا نخلط بين حرية التعبير الحقيقية، حرية النقد الموضوعي, إذا كان في مجتمع مسلم، فهو نقد لا يمس الثوابت العقدية والقطعيات الفقهية وبين التستر بحرية التعبير للسخرية من الأخر. وهو نقد إذا كان في مجتمع غير مسلم فهو نقد محترم لمشاعر الآخرين، نقد يبحث عن الفهم ويتساءل عن الدين بطريقة حضارية أخلاقية بعيدة عن السخرية والتحقير والإسفاف.
3. الاعتقاد السيئ في الدين وفي الرب أمر يخص الفرد في نفسه وفي الدولة الإسلامية، لا المنافقين يتعرض لهم إن لم يعلنوا بالكفر ولا الكفار يتعرض لهم إن لم يجاهروا بالإساءة للمسلمين ومقدساتهم،
قال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}، قال الطبري رحمه الله : يَعْنِي : مِنَ الْيَهُودِ وَقَوْلِهِمْ {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} وَقَوْلِهِمْ {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ افْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّهِ.
فإن تعمد أحد الكفار الجهر بالإساءة لمقدسات المسلمين عوقب ليس إكراها في الدين ولكن احتراما لحقوق المسلمين ومشاعرهم. ولا يجب أن نخلط هنا بين تعمد الإساءة وبين السؤال عن الدين والجدال فيه فهو من حقوق الكفَار التي يجب أن يتصدى لها بالجدال والحوار بالتي هي أحسن لا بالعنف والسباب،
{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ}.
{وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}
{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}
4. في الدول الحديثة المؤسسة على مبدأ المواطنة والعقد الاجتماعي (الدستور والقوانين)، إذا كانت القوانين تسمح بالإهانة لمقدسات الأخرين وبتعمد الإساءة لهم فإن للمسلمين الحق في الردَ عن تلكم الإساءة بالطرق القانونية عبر التظاهر والتقاضي. فإن كانت القوانين غير منصفة والوسائل القانونية غير مجدية فللمسلمين الحق دينا في نبذ العقد الاجتماعي وانذار السلطات ثلاث أيام لذلك ومن بعد ذلك فيحق للمسلمين الخروج على القانون والنظام ولا يعتبر ذلك غدرا ويحق لهم القصاص والانتقام من شانئهم بالطريقة التي يرونها.
5. ما ذكر في النقطة الرابعة لا يمكن انجازه تلقائيا دون النظر إلى مصلحة ذلك العمل ومضرته على الإسلام المسلمين في المدى البعيد والقريب وإن أخل الفاعل بذلك فقد يعتبر افتياتا على جماعة المسلمين وممثليهم الموضوعيين من جمعيات ومنظمات اسلامية (موجودة في الغرب). ونسوق هذه القصة أين أسيئ للرب سبحانه بحضرة أبو بكر وكيف صبر عن ذلك حتى لا يعرض المسلمين لما لا قبل لهم به،
قَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ : {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي أَبِي بَكْرٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَفِي فِنْحَاصٍ الْيَهُودِيِّ سَيِّدِ بَنِي قَيْنُقَاعٍ ، قَالَ : بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى فِنْحَاصٍ يَسْتَمِدُّهُ ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِكِتَابٍ ، وَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ : لاَ تَفْتَاتَنَّ عَلَيَّ بِشَيْءٍ حَتَّى تَرْجِعَ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ مُتَوَشِّحٌ بِالسَّيْفِ ، فَأَعْطَاهُ الْكِتَابَ ، فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ : قَدِ احْتَاجَ رَبُّكُمْ أَنْ نُمِدَّهُ ، فَهَمَّ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لاَ تَفْتَاتَنَّ عَلَيَّ بِشَيْءٍ حَتَّى تَرْجِعَ فَكَفَّ ؛ وَنَزَلَتْ : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ}
6. للمسلمين الحق في التملص مِن مَن أختار نبذ العقد الاجتماعي (الدستور والقانون) لأخذ حقه بيده وإدانة فعله لتعبيرهم عن تواصل التزامهم بالعقد الاجتماعي وذلك في حالة الاستضعاف كما هو حال المسلمين في الغرب ولا يعتبر ذلك كفرا منهم إن لم يتضمن تجويز الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم منهم أو الرضى بذلك.
7. رسالتي إلى المنددين بالعملية من عقلاء الكفار: قد أفهم إدانتكم لخروج بعض الشباب من بني بلدكم على القانون وقتل بعض المواطنين من بلدكم ولكن هل يقارن ذلك بما تفعله الصحيفة المذكورة من الإساءة اليومية لملايين البشر من المسلمين وغيرهم عبر العالم واهانة مشاعره والنيل من كرامتهم بالسخرية الوقحة من مقدساتهم. ان كان كبر عليكم قتل بعض مواطنيكم من قبل بعض فإن أهانتكم لملايين البشر بدم بارد أكبر
قال تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ}
إن تلك العملية هي النتيجة الطبيعة والمنطقية لما زرعت أيديكم، فدعوتي إليكم أن تعودوا لرشدكم وتأخذوا على أيدي سفهاءكم حتى لا تتكرر هذه المآسي لكم وتوقفوا طوفان البغضاء والكراهية ضدكم.
وكما قال أحد الفضلاء رحمه الله إن كانت حرية تعبيركم ليس لها ضابط فلتتسع حريتكم لحرية فعال الأخرين.
والسلام على من اتبع الهدى
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...