الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،
فقد أطلعت على مقالة الدكتور راغب السرجاني التي يلمح فيها لوجوب الطاعة للحاكم الظالم، وهو يقصد السيسي طبعا، ودلًّلَ على ذلك بحديث للنبي صلى الله عليه وسلم متشابه في محل النزاع، ثم فرق بين ظلم الحاكم الكافر للمواطن المسلم وظلم الحاكم المسلم للمواطن المسلم. وأشار إلى أن ما يجعل المواطن المسلم يقبل بظلم الحاكم دون أخر هو إسلام الحاكم من عدمه. ويا ليت شعري، ماذا عساي أقول إن كان هذا حال من يقود فكيف بحال الأتباع من المسلمين، "إن لله وإن إليه راجعون".
قال الدكتور راغب السرجاني:
"فالرسول صلى الله عليه وسلم -الذي نعرف اشتياقه إلى الجهاد- هو الذي يأمر حذيفة رضي الله عنه بالسمع والطاعة للظالم، والفارق أنه مع أبي جهل وقريش يتعامل مع زعيم كافر ودولة كافرة، وفي الموقف الثاني يتعامل مع حاكم مسلم ولو كان لا يهتدي بهديه، ويتعامل مع حكومة مسلمة ولو كان فيها رجال لهم قلوب الشياطين"
وقال أيضا:
"فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يُعْلِن الجهاد في حياته إلا على الكفار الصرحاء، وليس هناك استثناء واحد لذلك في سيرته،"
قلت : إن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يقاتل الكفار لكفرهم، بل كان يقاتلهم دفاعا عن الدين وحرية الدخول في الإسلام وإقامة شعائره. ولو لم يمنع الكفار ذلك ما كان ليقاتلهم. فالعلة للقتال هو الصيال على الدين وفتنة الداخل في الإسلام عن دينه (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة). ولكن وإن كان كفار مكة يمنعون الرجل من الدخول في الدين أصلا فإنه لا يعني الكف عن من سمح بالدخول في الدين ثم منع المسلمين في بلادهم من تولية الأمير العدل الذي يسوسهم بهذا الدين أو إمتنع الأمير نفسه عن ما من أجله وكل وهو إقامة الشرع وحراسة الدين.
ولقد همّ النبي صلى الله عليه وسلم بقتال من أخبر أنه امتنع عن الزكاة فما بالك بمن امتنع عن إقامة الشريعة والعدل بين الناس. (أنظر تفسير يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ).
بل لقد فعلها الصحابة رضي الله عنهم من بعده وقاتلوا مانعي الزكاة وسنتهم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو منهم إجماع، قال صلى الله عليه وسلم (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي).
ولقد أنزلت أيات من البقرة تنذر الممتنعين عن ترك الربا بالحرب (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين* فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله)، فما بالك بالممتنعين عن ترك الربا والزنا والخمر والفجور وغيرها والساعين في هدم الفضيلة وإقامة الرذيلة. اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
ولقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إلا أن تروا كفرا بواحا) أي معصية ظاهرة لا تحتمل تأويلا، فإن خرج الحاكم عن الشرع خروجا بينا ظاهرا لا يحتمل تأويلا وجب قتاله وخلعه.
ولا يقاس الأمير الظالم الذي يمنع المسلمين بعض حقوقهم المالية أو المدنية على الذي يمنعهم حقوقهم الدينية (ومنها إقامة الشرع) بل ويسعى في إفسادهم وجعل المنكر معروفا والمعروف منكرا. فالأول مفسد لأمر الدنيا والأخر مفسد لأمر الآخرة. وليست هذه المقارنة تهوينا لظلمه في الأمور الدنيوية بل على المسلمين، إن قدروا، منعه عن كل ظلم والأخذ على يديه قال صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكر فليغيره) وقال صلى الله عليه وسلم (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل). وهذا الظلم في الأمور الدنيوية وإن كان فساده اليوم قاصرا على من ظـُلم دون غيره فإن كثرته وانتشاره سبب مستقبلا للفتن والحروب الأهلية وخراب البلاد وكما قيل إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ويهدم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة. فحتى مع إقامة الشرع فإن الظلم في حقوق العباد خطير ووخيم العواقب على المصلحين العمل على منعه.
ولست هنا أدعو إلى قتال الحاكم الفاسد المفسد، دون إعداد وإعتبار لحال الضعف ودون نظر للمصالح والمفاسد، لا معاذ الله أن نغرر بالمسلمين في قتال حكامهم الظلمة الفجرة مع عدم تكافئ في القدرات، ولكننا نبين حكما شرعيا ونكشف باطلا زييفا يدعو للركون للظالمين. والإفتاء بالقتال من عدمه في الواقع وإسقاطه لا يكون إلا من قبل أهل العلم والسياسة المحنكين من أهل البلد وكما قيل أهل مكة أدرى بشعابها. ثم ذلك لا يعني أيضا أنه لا حل إلا بالقتال والدماء، بل قد تحلّ الأزمة باللين والرفق وبالإصلاحات التدريجية والمظاهرات السلمية وغيرها من سبل الضغط والتغيير. وما القتال إلا حلّ من الحلول. ولكن ما أردت تقريره والتأكيد عليه هو بطلان شرعية الحاكم التارك للشرع الساعي في هدمه وعلى وجوب السعي في خلعه. ثم إلى أهل الخبرة والدراية يعود اختيار الوسيلة المناسبة في الوقت المناسب لذلك.
وكذلك يجب أن أؤكد على أنه وإن قلنا بوجوب خلع الحاكم المحارب للشرع وحِليّة قتاله فإن ذلك لا يعني تكفيره، بل هو مسلم فاسق فاجر مفسد يقاتل لإفساده، قال تعالى (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض)، فمن لم يحجزه إلا القتل عن فساده قوتل.
وكذلك فإني لا أدعو إلى الإصرار على المظاهرات السلمية إن كانت لا تجدي نفعا.
ولا أدعو إلى حرمة التنازل عن بعض الحقوق في الأموال والدماء والصلح مع النظام إن كان ذلك سبب لحقن مزيد من الدماء ودفع إلى تحقيق أرضية سياسية مناسبة (*) لا تعرقل التقدم نحو الإصلاح وتحقيق حكم الشريعة وفق ضمانات ميدانية حقيقية وملموسة وإلا فغدر هؤلاء محتمل في كل وقت. وكما في القواعد الشرعية (وجوب ارتكاب أخف الضررين لدرء أشدهما).
هذا والله أعلم وأخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.
أيمن هلالي.
تونس في 08-09-14
(*) راجع مقالي "مقاربة شرعية في واقع الدولة التونسية وطرق التغيير تجاه الأفضل" https://www.facebook.com/photo.php?fbid=10203248998279579&set=pb.1047804481.-2207520000.1410171765.&type=3&src=https%3A%2F%2Ffbcdn-sphotos-f-a.akamaihd.net%2Fhphotos-ak-xap1%2Fv%2Ft1.0-9%2F10423785_10203248998279579_8413871481030970697_n.jpg%3Foh%3D229bd06233241c44af4ced86c8970f39%26oe%3D54A403F1%26__gda__%3D1419608228_1f9c24ef81ab58955ba2234ed55273a5&size=638%2C496
فقد أطلعت على مقالة الدكتور راغب السرجاني التي يلمح فيها لوجوب الطاعة للحاكم الظالم، وهو يقصد السيسي طبعا، ودلًّلَ على ذلك بحديث للنبي صلى الله عليه وسلم متشابه في محل النزاع، ثم فرق بين ظلم الحاكم الكافر للمواطن المسلم وظلم الحاكم المسلم للمواطن المسلم. وأشار إلى أن ما يجعل المواطن المسلم يقبل بظلم الحاكم دون أخر هو إسلام الحاكم من عدمه. ويا ليت شعري، ماذا عساي أقول إن كان هذا حال من يقود فكيف بحال الأتباع من المسلمين، "إن لله وإن إليه راجعون".
قال الدكتور راغب السرجاني:
"فالرسول صلى الله عليه وسلم -الذي نعرف اشتياقه إلى الجهاد- هو الذي يأمر حذيفة رضي الله عنه بالسمع والطاعة للظالم، والفارق أنه مع أبي جهل وقريش يتعامل مع زعيم كافر ودولة كافرة، وفي الموقف الثاني يتعامل مع حاكم مسلم ولو كان لا يهتدي بهديه، ويتعامل مع حكومة مسلمة ولو كان فيها رجال لهم قلوب الشياطين"
وقال أيضا:
"فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يُعْلِن الجهاد في حياته إلا على الكفار الصرحاء، وليس هناك استثناء واحد لذلك في سيرته،"
قلت : إن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يقاتل الكفار لكفرهم، بل كان يقاتلهم دفاعا عن الدين وحرية الدخول في الإسلام وإقامة شعائره. ولو لم يمنع الكفار ذلك ما كان ليقاتلهم. فالعلة للقتال هو الصيال على الدين وفتنة الداخل في الإسلام عن دينه (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة). ولكن وإن كان كفار مكة يمنعون الرجل من الدخول في الدين أصلا فإنه لا يعني الكف عن من سمح بالدخول في الدين ثم منع المسلمين في بلادهم من تولية الأمير العدل الذي يسوسهم بهذا الدين أو إمتنع الأمير نفسه عن ما من أجله وكل وهو إقامة الشرع وحراسة الدين.
ولقد همّ النبي صلى الله عليه وسلم بقتال من أخبر أنه امتنع عن الزكاة فما بالك بمن امتنع عن إقامة الشريعة والعدل بين الناس. (أنظر تفسير يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ).
بل لقد فعلها الصحابة رضي الله عنهم من بعده وقاتلوا مانعي الزكاة وسنتهم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو منهم إجماع، قال صلى الله عليه وسلم (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي).
ولقد أنزلت أيات من البقرة تنذر الممتنعين عن ترك الربا بالحرب (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين* فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله)، فما بالك بالممتنعين عن ترك الربا والزنا والخمر والفجور وغيرها والساعين في هدم الفضيلة وإقامة الرذيلة. اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
ولقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إلا أن تروا كفرا بواحا) أي معصية ظاهرة لا تحتمل تأويلا، فإن خرج الحاكم عن الشرع خروجا بينا ظاهرا لا يحتمل تأويلا وجب قتاله وخلعه.
ولا يقاس الأمير الظالم الذي يمنع المسلمين بعض حقوقهم المالية أو المدنية على الذي يمنعهم حقوقهم الدينية (ومنها إقامة الشرع) بل ويسعى في إفسادهم وجعل المنكر معروفا والمعروف منكرا. فالأول مفسد لأمر الدنيا والأخر مفسد لأمر الآخرة. وليست هذه المقارنة تهوينا لظلمه في الأمور الدنيوية بل على المسلمين، إن قدروا، منعه عن كل ظلم والأخذ على يديه قال صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكر فليغيره) وقال صلى الله عليه وسلم (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل). وهذا الظلم في الأمور الدنيوية وإن كان فساده اليوم قاصرا على من ظـُلم دون غيره فإن كثرته وانتشاره سبب مستقبلا للفتن والحروب الأهلية وخراب البلاد وكما قيل إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ويهدم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة. فحتى مع إقامة الشرع فإن الظلم في حقوق العباد خطير ووخيم العواقب على المصلحين العمل على منعه.
ولست هنا أدعو إلى قتال الحاكم الفاسد المفسد، دون إعداد وإعتبار لحال الضعف ودون نظر للمصالح والمفاسد، لا معاذ الله أن نغرر بالمسلمين في قتال حكامهم الظلمة الفجرة مع عدم تكافئ في القدرات، ولكننا نبين حكما شرعيا ونكشف باطلا زييفا يدعو للركون للظالمين. والإفتاء بالقتال من عدمه في الواقع وإسقاطه لا يكون إلا من قبل أهل العلم والسياسة المحنكين من أهل البلد وكما قيل أهل مكة أدرى بشعابها. ثم ذلك لا يعني أيضا أنه لا حل إلا بالقتال والدماء، بل قد تحلّ الأزمة باللين والرفق وبالإصلاحات التدريجية والمظاهرات السلمية وغيرها من سبل الضغط والتغيير. وما القتال إلا حلّ من الحلول. ولكن ما أردت تقريره والتأكيد عليه هو بطلان شرعية الحاكم التارك للشرع الساعي في هدمه وعلى وجوب السعي في خلعه. ثم إلى أهل الخبرة والدراية يعود اختيار الوسيلة المناسبة في الوقت المناسب لذلك.
وكذلك يجب أن أؤكد على أنه وإن قلنا بوجوب خلع الحاكم المحارب للشرع وحِليّة قتاله فإن ذلك لا يعني تكفيره، بل هو مسلم فاسق فاجر مفسد يقاتل لإفساده، قال تعالى (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض)، فمن لم يحجزه إلا القتل عن فساده قوتل.
وكذلك فإني لا أدعو إلى الإصرار على المظاهرات السلمية إن كانت لا تجدي نفعا.
ولا أدعو إلى حرمة التنازل عن بعض الحقوق في الأموال والدماء والصلح مع النظام إن كان ذلك سبب لحقن مزيد من الدماء ودفع إلى تحقيق أرضية سياسية مناسبة (*) لا تعرقل التقدم نحو الإصلاح وتحقيق حكم الشريعة وفق ضمانات ميدانية حقيقية وملموسة وإلا فغدر هؤلاء محتمل في كل وقت. وكما في القواعد الشرعية (وجوب ارتكاب أخف الضررين لدرء أشدهما).
هذا والله أعلم وأخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.
أيمن هلالي.
تونس في 08-09-14
(*) راجع مقالي "مقاربة شرعية في واقع الدولة التونسية وطرق التغيير تجاه الأفضل" https://www.facebook.com/photo.php?fbid=10203248998279579&set=pb.1047804481.-2207520000.1410171765.&type=3&src=https%3A%2F%2Ffbcdn-sphotos-f-a.akamaihd.net%2Fhphotos-ak-xap1%2Fv%2Ft1.0-9%2F10423785_10203248998279579_8413871481030970697_n.jpg%3Foh%3D229bd06233241c44af4ced86c8970f39%26oe%3D54A403F1%26__gda__%3D1419608228_1f9c24ef81ab58955ba2234ed55273a5&size=638%2C496

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق