السبت، 25 أكتوبر 2014

في فلسفة العقوبات في الشريعة الإسلامية للمستشار والدكتور محمد وفيق زين العابدين

ردا على منتقدي العقوبات الشرعية كتب المستشار والدكتور محمد وفيق زين العابدين بشأن فلسفة العقوبات الشرعية ما يلي ؛

فالعقوبات الشرعية متعددة متنوعة بحسب الغرض المُبتغى من ورائها ، فقد يُناسب الحبس جريمة ما لا يناسبها غيره ، وقد يحقق الجلد الردع الخاص لجاني لا يردعه غيره ، وقد يكون الرجم هو السبيل الوحيد لتحقيق الردع العام في جريمة ما ، فكل عقوبة لها اعتبارات خاصة بها لمنع الجاني من مقارفة الجريمة التي وضعت لأجلها ، فلا تفيد في منع جريمة غيرها ..

فكل عقوبة من العقوبات الشرعية لها خصائصها الفريدة التي تميزها عن العقوبات الوضعية ، فمثلًا تُعد عقوبة [ الجلد ] بصفة خاصة من أكثر العقوبات ردعًا للمجرمين ، لأنها ذات حدين فيمكن أن يُعاقب بها كل مجرم بالقدر الذي يُلائم جريمته ويتفق مع شخصيته في آن واحد ، وتمتاز هذه العقوبة أيضًا بأنها تنفذ في الحال فلا تُثقل كاهل الدولة ولا تعطل المحكوم عليه عن عمله ، ولا تُعرضه لخطر السجن ومخالطة الأشرار ، ولا تمس آثارها سواه ممن يعولهم أو يلتزم نحوهم بالتزام شرعي ، ولهذا كانت أكثر العقوبات التي استخدمها الولاة والقضاة قديمًا في ردع المجرمين في جرائم التعازير ..

أما عقوبة [ الحبس ] في التشريع الإسلامي فهي تختلف في ضوابطها كليةً عن النظم الوضعية ، فهي عقوبة أصلية وأساسية في القوانين الوضعية سواء كانت المفسدة في الجريمة المعاقب عليها جسيمة أو بسيطة ، وهي محصورة بين حدين أقصى وأدنى ، وتقديرها بين هذين الحدين يخضع لسلطة القاضي التقديرية ، فما يراه القاضي زاجرًا للجاني لا يراه غيره كذلك عن ذات الجريمة ، بل ما يراه القاضي رادعًا في واقعة قد لا يراه كذلك في واقعة أخرى عن ذات الجريمة ، ولا شك أن هذا يسلب العقوبة أهم مقوماتها وخصائصها من حيث كونها عامة مجردة وهو ما يكفل لها تحقيق الردعين العام والخاص ، فضلًا عن أن تقديرها بالمعيار المتقدم تحكمي ليس بموضوعي ، إن صح في زمان فلن يصح في آخر ، وإن صح في مكان فلن يصح في آخر ، وإن زجر جانيًا فلن يزجر آخر .. وقد ترتب على كون الحبس العقوبة الأصلية في النظم القانونية الوضعية الحديثة أن ازداد عدد المحكوم عليهم بالحبس إلى حد امتلاء السجون بالمحبوسين حتى ضاقت بهم على سعتها وتعددها , وأصبحت في الواقع العملي - كما يُشير أساتذة علم الإجرام والعقاب - مدارس لتعليم فنون الجريمة وتبادل المعلومات والخبرات الإجرامية ، ومعاهد يلتحق بها صغار المجرمين وبُسطائهم فيتخرجون وقد احترفوا مهنة الإجرام وتعلموا فنون الجريمة وطرق ارتكابها والإفلات منها ، فبدلًا من أن تقي هذه الكيانات المجتمع من الإجرام باتت كيانات لإفساد المسجونين شبه الصالحين والارتقاء بهم إلى مستوى المجرمين المفسدين ، ولم يجد في إصلاح هذه الكيانات النفقات الباهظة التي تنفقها الدولة للنهوض بالمنظومة العقابية أو حتى العقوبات الصارمة والمعاملة السيئة للمسجونين ..
أما في الشريعة الإسلامية فعقوبة الحبس ليست إلا عقوبة ثانوية ، لا يُعاقب بها إلا في الجرائم التعزيرية التي هي أقل في جسامتها من الجرائم الحدية , ويترتب على هذا أن الحبس لا يشرع إلا إذا غلب على ظن القاضي أو ولي الأمر أنه سيفيد في تأديب الجاني وردعه ، كما أن مدته مقيدة بحالة الجاني وأن يغلب على الظن صلاحه وتوبته ، فإن غلب على الظن أن الحبس لن يصلحه أو يؤدبه فلا موجب للعقوبة ، ووجب استبدالها بعقوبة أخرى ، ولذلك فالحبس في جميع الأحوال لا يتم إلا لمدد قصيرة ، حتى قال بعض الفقهاء أن أقصى مدة له سنة ، ويترتب على هذا أن عدد المسجونين سيكون قليلًا دائمًا ، وستكون الخُلطة بين المسجونين يسيرة ، بما يُقلل من عيوب المنظومة العقابية في الدولة ويوفر عليها نفقات السجون التي تُثقل كاهلها ويقلل من انتشار الجريمة وتضاعف عدد المجرمين ..

حاصل القول أن الشريعة الإسلامية تضبط النصوص العقابية بمقاييس ومعايير صارمة وملائمة لطبيعة هذه النصوص في اتصالها المباشر بكرامة الجاني وحقه في سلامة جسمه من جهة وصيانة حقوق الغير وحفظ النظام العام في المجتمع من جهة أخرى ، مما يفرض على القاضي أن ينتهج الوسائل السليمة سواء من الناحية الموضوعية أو الإجرائية لضمان أن توضع هذه النصوص في موضعها ، وألا تكون العقوبة أداة عاصفة بحق الإنسان في حريته وسلامة جسمه أو بحقوق ذويه المادية والأدبية بطريقة غير مباشرة ، بما يُحقق الأغراض الاجتماعية التي تستهدفها العقوبة ، فلا تخلف لدى الجماعة رغبة في إرواء تعطشها للثأر والانتقام لقصور النصوص العقابية في تحقيق أغراضها ، ولا أن تكون بمثابة شراكًا يتضرر منها من لم يقترف ذنبًا أو تنال يداه جرمًا ..

المصدر/ صفحته الشخصية على الفايسبوك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...