لا نكون مخطئين حينما نؤكد أن الأزمة الرئيسة التي تعيشها المجتمعات
العربية والإسلامية هي أزمة تعليم وتربية في المقام الأول، فكثير من
المشكلات المزمنة في هذه المجتمعات يمكن القضاء عليها بسهولة شديدة ويسر
إذا تمكنّا من إصلاح المنظومة التعليمية فيها ودفعها في طريقها الصحيح، بل
إن حدوث أي إصلاح تعليمي -ولو كان قليلاً- يمكن ملاحظته فورًا من خلال
سلوكيات أفراد المجتمع وأخلاقهم وعلاقاتهم ببعضهم البعض، وما هذا إلا لعمق
الأثر التربوي للعملية التعليمية في بلادنا وفي أية دولة بالعالم.
لذا كان الهدف الرئيس لأي محتل يرغب في السيطرة على مقدرات دولة ما أن يعبث بالمحتوى التعليمي والتربوي فيها، ويعبث بالمعلم ومستواه العلمي والمادي، ليكفر الجميع بالعملية التربوية برمتها، وتتحول من محتوى ثقافي وتربوي نهضوي إلى حالة عبثية من التوتر بين أطرافها المتمثلين في الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين والإدارات المدرسية ووزارات التربية والتعليم.
وهذا هو الواقع الأليم في كثير من البلاد الإسلامية على أرض الواقع، فالمحتوى التعليمي لا يسمو لتخريج طلبة أكفاء، لديهم من القدرة على المنافسة في سوق العمل، والمحتوى التربوي لا نتطلع لنفاجأ بإنسان سوي الأخلاق سامي الفضائل عفيف النفس، وحتى إن كان في المناهج التعليمية ما يمكن أن يسهم ولو بالقليل في هذا المضمار، إلا أن واقع العملية التربوية نفسه والتفاعل بين المعلم المعدم والطالب المتمرد لا يمكن أن يسهم بإخراج هذا الخلق الراقي، ثم نتساءل في نهاية المسار التعليمي: ماذا حدث؟! لماذا نبذل مالاً ولا نحصِّل في النهاية شيئًا؟!
إن قوة المعلم العلمية في تقويم شخصيته لا تقل عن قوة ملاحظته، إن المعلم
إذا لم يكن عنده علم ارتبك عند السؤال فينحط قدره في أعين تلاميذه، وإن
أجاب بالخطأ فلن يثقوا به بعد ذلك، وإن انتهرهم عند السؤال والمناقشة فلن
ينسجموا معه.. إذاً فلابد للمعلم من إعدادِ واستعدادِ وتحملِ وصبرِ المعلم
عند توجيه السؤال له إن كان عنده علم راسخ في ذهنه مستقر في نفسه أجاب بكل
سهولة وانطلاقة وإلا إنه لا يخلو بعد ذلك من هذه الأمور الثلاثة الارتباك
أو الخطأ أو الانتهار وكل ذلك ينافي الآداب التي ينبغي أن يكون المعلم
عليها..
وإذا كان على المعلم أن يدرك العلم الذي سيلقيه أمام الطلبة - فإن عليه أن يحرص على حسن إلقائه إليهم؛ بأن يسلك أسهل الطرق في إيضاح المعاني، وضرب الأمثال، ومناقشة الطلبة فيما ألقاه عليهم سابقا؛ ليكونوا على صلة بالماضي ويعلموا أن هناك متابعة من المعلم.. أما أن يأتي يقرأ عليهم الشيء قراءة لا يدري من فهم ومن لم يفهم ولا يناقش فيما مضى - فإن هذه الطريقة طريقة عقيمة جداً لا تثمر ثمرة ولا تنتج نتيجة طيبة.
وإذا كان على المعلم أن يجتهد في الأمور العلمية تحصيلاً وعرضاً - فعليه أن يجتهد في الأمور العملية التعبدية ..
عليه أن يكون حسن النية والتوجيه؛ فينوي بتعليمه الإحسان إلى طلبته وإرشادهم إلى ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم، وليجعل نفسه لهم بمنزلة الأب الشفيق الرفيق؛ ليكون لتعليمه أثر بالغ في نفوسهم.
أما المتعلمون فعليهم أن يبذلوا غاية الجهد في تحصيل العلم من أول العام
حتى يدركوا المعلومات إدراكاً حقيقياً ثابتاً في قلوبهم راسخاً في نفوسهم؛
لأنهم إذا اجتهدوا من أول العام أخذوا العلوم شيئاً فشيئاً، فسهلت عليهم،
ورسخت في نفوسهم، وسيطروا عليها سيطرة تامة، وإن أهملوا وتهاونوا في أول
العام واستبعدوا آخره - انطوى عنهم الزمن، وتراكمت عليهم الدروس، فأصبحوا
عاجزين عن تصورها فضلاً عن تحقيقها، فندموا حين لا تنفع الندامة، وباؤوا
بالفشل والملامة.
وإذا كان على المعلمين والمتعلمين واجبات تجب مراعاتها فإن على إدارة المدرسة أو المعهد أو عمادة الكلية أن ترعى من تحت مسئوليتها من مدرسين وطلاب ومراقبين؛ لأنها مسئولة عنهم أمام الله عز وجل، ثم أمام المسئولين فوقهم، ثم أمام عامة الأمة بمقتضى الأمانة التي تحملوها نحوهم.
وإذا كان على المدرسة معلميها ومديريها وعمدها واجبات فإن على أولياء الطلبة من الآباء وغيرهم واجبات يلزمهم القيام بها.. عليهم أن يتفقدوا أولادهم وأن يراقبوا سيرهم ونهجهم العلمي والفكري والعملي، وأن لا يتركوهم هملاً لا يبحثون معهم، ولا يسألونهم عن طريقتهم وأصحابهم ومن يعاشرونهم ويصادقونهم.
إن إهمال الأولاد ظلم وضياع ومعصية لما أمر الله به في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم :6].
فاتقوا الله -عباد الله-، وليقم كل منكم بما أوجب الله عليه من حقوق الله وحقوق لعباد الله؛ لتفوزوا بالمطلوب كما قال ربكم وإلهكم:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً
سَدِيداً * يصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) [الأحزاب :70-71].
أيها الناس: إن ما قلناه في حق الأولاد لا نقصد به الأبناء فقط وإنما نقصد
به الأبناء والبنات؛ لأن الأولاد في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله
عليه وسلم يراد بهم الذكور والإناث كما قال الله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) [النساء : 11] وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" فما كان في حق البنين من رعاية ومن رعاية وحماية فإنه في حق البنات كذلك.
أسال الله تعالى أن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين صالحين مصلحين.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
بتصرف من "ملتقى الخطباء"

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق