تعقيبا على حلقة (لقاء الجمعة) مع المديفر
كنت قلت في برنامج (لقاء الجمعة) ، في الدقيقة 41 ، و10 ثانية تقريبا ، ما
نصه : ((أن عدم التكفير بالطريقة العلمية المنضبطة أنه نضوج فكري ، كثير
من العلماء على مر التاريخ بدؤوا يُكفرون ، ما انتهى بهم العمر حتى تبرؤوا
من كل التكفير الذي فعلوه وممن نُص عليه ممن حصل له ذلك : إمامان مشهوران
ومتبعان :
- أبو الحسن الأشعري .
- وشيخ الإسلام ابن تيمية .
ينقل عنه الإمام الذهبي ، يقول : وكان آخر الأمر من تقي الدين ابن تيمية أنه قال : اشهد عليّ أني لا أكفر كل من توضأ وصلى)) .
فتعقبوا هذا النقل عني ، من جهتين :
الجهة الأولى : أنهم زعموا أني قلت ((التكفير بالطريقة العلمية
المنضبطة أنه نضوج فكري ، كثير من العلماء على مر التاريخ بدؤوا يُكفرون ،
ما انتهى بهم العمر حتى تبرؤوا من (كل) ...)) ، وحذفوا من أول كلامي اللفظ
الدال على النفي ، وهو لفظ (عدم) ، فصار كلامي بهذا الحذف وكأنه ينسب لابن
تيمية البراءة من كل تكفير وقع منه !
الجهة الثانية : ادعاء أن نسبة هذا التغير لشيخ الإسلام لابن
تيمية لا تصح ، فلا كلام الذهبي يدل عليها ، ولا حال شيخ الإسلام ومقالاته
تدل عليها . فهو عندهم من حين أن كتب وأفتى ، إلى وفاته ، لم يخطئ في
التكفير قط !
وللجواب عن ذلك أقول :
أما الجهة الأولى : فقد غلطوا في النقل عني ، والتسجيل لديكم
فيه النفي الصريح بذكر لفظة (عدم) في أول كلامي !! فأنا أقول : (( أن عدم
التكفير بالطريقة العلمية ..)) ، وهم نقلوا عني أني قلت : ((إن التكفير
بالطريقة العلمية ...)) !!
ولا شك أن الفرق بين العبارتين كبير جدا ، كالفرق بين الضدين ؛ لأنه هو الفرق بينهما فعلا ، فهو الفرق بين النفي والإثبات !!
فأنا أقول : إن الترك المنضبط للتكفير نضوج فكري . فالممدوح في كلامي لا
(كل) تركٍ للتكفير ، وإنما هو الترك المنضبط للتكفير . وبذلك يتضح أنه
بعبارة النفي الواردة في كلامي : تصبح الكُلية التي تركها العلماء بسبب
نضوجهم الفكري هي التكفير غير المنضبط ، وليست (كل تكفير لهم ) .
وأخونا هذا ينقل عني أني أقول : إن التكفير المنضبط هو النضوج الفكري ،
ولذلك استغرب أن أدعي أنهم تركوا كل تكفيرهم ، وبذلك صار الكلام حسب تحريفه
للكلام : كل تكفيرهم كان غير ناضج علميا !!
فأنا أتحدث عن الترك ، وهو ينقل عني أني أتحدث عن الفعل !!
فينقلب الكلام من الضد إلى الضد !!
فها هذا من الأمانة في النقل ؟!!
وهل من يفعل ذلك ممن يشعر بالقوة العلمية لموقفه ؟ وهل يشعر أنه مستغن بها عن التلبيس والكذب ؟!
أم هذا الخطأ وقع بسبب كراهية الحق ، حتى صارت كراهيته تصم الآذان عن السماع ، فصار صاحبها يسمع ما يشتهي ، لا ما يُقال ؟!!
أم أنه محض خطأ غير مقصود ؟!
كل هذا محتمل !!
أما الجهة الثانية : وهي ادعاء أن نسبة هذا التغيُّر إلى شيخ
الإسلام ابن تيمية لا تصح ، فلا كلام الذهبي يدل عليها ، ولا حال شيخ
الإسلام ومقالاته تدل عليها .
ففي الجواب عنه وقفتان :
الوقفة الأولى : عبارة الإمام الذهبي ، ودلالتها على التغير .
فالعبارة بنصها ذكرها الإمام الذهبي ، في آخر ترجمة أبي الحسن الأشعري ،
حيث قال في سير أعلام النبلاء (15/ 88) : ((رأيت للأشعري كلمة أعجبتني ،
وهي ثابتة ، رواها البيهقي : سمعت أبا حازم العبدوي ، سمعت زاهر بن أحمد
السرخسي يقول: لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني ،
فأتيته، فقال: اشهد عليّ أني لا أُكفِّر أحدًا من أهل القبلة ؛ لأن الكل
يشيرون إلى معبود واحد ، وإنما هذا كله اختلاف العبارات.
[ ثم قال الإمام الذهبي بعدها مباشرة : ] قلت: وبنحو هذا أَدينُ.
وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحدا من
الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم : "لا يحافظ على الوضوء إلا
مؤمن" ، فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم)) .
هذه عبارة الإمام الذهبي بحروفها .
فهنا ينقل الإمام الذهبي عن الإمام أبي الحسن الأشعري في ساعة احتضاره أنه تبرأ من تكفير أهل القبلة .
ثم أعلن الإمام الذهبي عن موافقته وتأييده في ذلك ، وأن هذا هو ما يدين الله تعالى به .
ثم حكى عن شيخه وصديقه شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كان كذلك في (أواخر أيامه) !!
فأولا : تنبه لقوله ((وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه)) ، فظاهر
هذا اللفظ : أن هذا الموقف الذي شابه فيه شيخُ الإسلام ابن تيمية الإمام
أبا الحسن الأشعري هو مما شابهه فيه في أواخر أيامه ، لا قبل ذلك .
ولا يصح أن يكون مقصود الذهبي أنه ما سمع تلك العبارة من ابن تيمية إلا في
أواخر أيامه ؛ لأنه ليس لهذا التأريخ لسماع الكلمة معنى ، فيما لو كان ذلك
التقرير الوارد فيها هو تقرير شيخ الإسلام منذ أوائل أيامه . فلم يكن
الذهبي في سياق تأريخ ما سمعه من عبارات ، وإنما في سياق تأريخ ما استجدّ
من المواقف وما استُحدث من اجتهادات .
وثانيا :لماذا أورد الإمام الذهبي هذا المذهب لشيخ الإسلام ابن تيمية في
ترجمة أبي الحسن الأشعري ، في حكايته عنه أنه في ساعة احتضاره أنه لا
يُـكفّر أهل القبلة ؟
هذا الإيراد الغريب ، لعبارة في غير موطنها ، إذ إنها في ترجمة أبي الحسن
الأشعري = لا بد أن يكون لها مغزى معين ، وهو مغزى ظاهر وواضح من التشابه
في تأخر زمن هذا الرأي إلى أواخر العمر : ساعة احتضار أبي الحسن ، وأواخر
أيام ابن تيمية .
الوقفة الثانية : لشيخ الإسلام مواقف متناقضة حول مسائل التكفير ، لا يمكن إلا أن تكون من باب تغير الاجتهاد .
ومن ذلك :
1-تكفير الأشعرية في عبارته الشهيرة التي أرسلها إليهم ، عندما خاطبهم
بقوله : (( يا مبدلين ، يا مرتدين عن الشريعة ، يا زنادقة )) , كما في
التسعينية (1/ 118) ، وفي الفتاوى الكبرى (6/ 326) . مع اشتهار عدم تكفيرهم
في مواطن عديدة عنده ، وإن كان يكفر كثيرا من مقالاتهم .
2- تكفيره لمن كفر الصحابة (رضوان الله عليهم) إلا نفرا بأعيانهم
، كما قال في الصارم المسلول ، مفصلا أحوال الرافضة ، ومن المكفَّر منهم
ومن لا يُكفَّر: ((وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر نفسا ، أو أنهم
فسقوا عامتهم = فهذا لا ريب أيضا في كفره ؛ فإنه مكذب لما نصه القرآن في
غير موضع: من الرضى عنهم والثناء عليهم . بل من يشك في كفر مثل هذا ، فإن
كفره متعين . فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق ،
وأن هذه الأمة التي هي: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}
وخيرها هو القرن الأول كان عامتهم كفارا أو فساقا ، ومضمونها أن هذه الأمة
شر الأمم ، وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها ، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار
من دين الإسلام . ولهذا تجد عامة من ظهر عنه شيء من هذه الأقوال فإنه يتبين
أنه زنديق ...)) . ففي هذا النص حكم على أعيان هؤلاء بالكفر ، بدليل
عباراته الصريحة في الحكم على الأشخاص ، لا على المقالات ، وأنهم منكرون
لمعلوم من الدين بالضرورة . بل أوضح من ذلك حكمه على أن من شك في كفر هؤلاء
أن كفره متعيِّن ، مما يعني أن كفر من قال تلك المقالة كُفرٌ واقعٌ على
أعيان القائلين ؛ لأنه إذا كان من شك في كفر هؤلاء كفره متعين ، فكيف بهم
هم أنفسهم ؟! هم أولى بكون كفرهم متعينا لازما .
فهذا تكفير صريح لأعيانهم ، في حين لشيخ الإسلام الكثير من النصوص بعدم
تكفيرهم ، وقد جمعها الباحث المتخصص في العقيدة سلطان العميري في مقالة
علمية بعنوان (تحرير موقف ابن تيمية في حكم الرافضة) ، وهو منشور في عدد من
المواقع :
3- حكاية الاختلاف في كفر الخوارج وكأنه اختلاف سائغ :
كما في مجموع الفتاوى (35/ 56) ، حيث قال : ((كما يقال مثل ذلك في الخوارج
المارقين؛ فقد اختلف السلف والأئمة في كفرهم على قولين مشهورين)) .
ونقل في مجموع الفتاوى (19/115) ما يدل على أن الصحابة قد كفروا الخوارج ،
حيث قال : ((قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل
البدعة والفرقة ، وذكر أنه يقال لهم: {أكفرتم بعد إيمانكم} ، وهذا عائد إلى
قوله: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ، فأمر بملازمة الإسلام ، وبين أن
المسودة وجوههم أهل التفرق والاختلاف يقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟ وهذا
دليل على كفرهم وارتدادهم وقد تأولها الصحابة في الخوارج)) .
فهنا ينسب إلى الصحابة أنهم حكموا بكفر الخوارج وردتهم .
وقال في الصارم المسلول محتجا لتكفيرهم ، وليس مسوغا للاختلاف فيه فقط :
((وفيما رواه الترمذي وغيره عن أبي أمامة أنه قال: "هم شر قتلى تحت أديم
السماء خير قتلى من قتلوه" وذكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك
مرات متعددة وتلا فيهم قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ
وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ
إِيمَانِكُمْ} وقال: "هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم" وتلا فيهم قوله
تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا
تَشَابَهَ مِنْهُ} وقال: "زاغوا فزيغ بهم".
ولا يجوز أن يكون أمر بقتلهم لمجرد قتالهم الناس ، كما يقاتل الصائل من
قاطع الطريق ونحوه ، وكما يقاتل البغاة ؛ لأن أولئك إنما يشرع قتالهم حتى
تنكسر شوكتهم ، ويكفوا عن الفساد ، ويدخلوا في الطاعة ، ولا يقتلون أينما
لُقوا ، ولا يقتلون قَتْلَ عاد ، وليسوا شر قتلى تحت أديم السماء ، ولا
يؤمر بقتلهم ، وإنما يؤمر في آخر الأمر بقتالهم .
فعلم أن هؤلاء أوجب قتلهم مروقهم من الدين ، لما غلوا فيه ، حتى مرقوا منه
، كما دل عليه قوله في حديث علي: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من
الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم" ، فرتب الأمر بالقتل على مروقهم ، فعُلم
أنه الموجب له .
ولهذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم الطائفة الخارجة وقال: "لو يعلم الجيش
الذين يصيبونهم ما قضي لهم علي لسان محمد لنكلوا عن العمل وآية ذلك أن
فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعيرات
بيض" .
وقال: " إنهم يخرجون على خير فرقة من الناس يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق " .
وهذا كله في الصحيح .
فثبت أن قتلهم لخصوص صفتهم ، لا لعموم كونهم بغاة أو محاربين . وهذا القدر موجود في الواحد منهم ، كوجوده في العدد منهم .
وإنما لم يقتلهم علي رضي الله عنه أول ما ظهروا لأنه لم يبن له أنهم
الطائفة المنعوتة ، حتى سفكوا دم ابن خباب ، وأغاروا على سرح الناس . فظهر
فيهم قوله: " يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان " . فعلم أنهم
المارقون ؛ ولأنه لو قتلهم قبل المحاربة ، لربما غضبت لهم قبائلهم ،
وتفرقوا على علي رضي الله عنه ، وقد كان حاجته إلى مداراة عسكره واستئلافهم
، كحال النبي صلى الله عليه وسلم في حاجته في أول الأمر إلى استئلاف
المنافقين.
وأيضا فإن القوم لم يعترضوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بل كانوا
يعظمونه ويعظمون أبا بكر وعمر ، ولكن غلوا في الدين غلوا جازوا به حده لنقص
عقولهم ، فصاروا كما تأوله علي فيهم من قوله عز وجل: {قُلْ هَلْ
نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} .
وأوجب ذلك لهم عقائد فاسدة ترتب عليها أفعال منكرة كفرهم بها كثير من الأمة وتوقف فيها آخرون...)) .
وهذا كلام صريح في الاستدلال لكفرهم ، وأنه قول عليه كثيرٌ من الأمة .
وازن هذا بقطعه أن الصحابة مجمعون على عدم كفرهم ، واستدلاله لصحة هذا الإجماع !! في النصوص التالية :
· يقول في منهاج
السنة (5/ 241-244) : ((وأصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي
طالب وغيره لم يكفروا الخوارج الذين قاتلوهم ، بل أول ما خرجوا عليه
وتحيزوا بحروراء، وخرجوا عن الطاعة والجماعة، قال لهم علي بن أبي طالب رضي
الله عنه: إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ، ولا حقكم من الفيء. ثم
أرسل إليهم ابن عباس فناظرهم فرجع نحو نصفهم، ثم قاتل الباقي ، وغلبهم، ومع
هذا لم يسب لهم ذرية، ولا غنم لهم مالا، ولا سار فيهم سيرة الصحابة في
المرتدين، كمسيلمة الكذاب وأمثاله، بل كانت سيرة علي والصحابة في الخوارج
مخالفة لسيرة الصحابة في أهل الردة، ولم ينكر أحد على علي ذلك، فعلم اتفاق
الصحابة على أنهم لم يكونوا مرتدين عن دين الإسلام)) . ثم أورد كلام علي
رضي الله عنه الدال على عدم كفر الخوارج .
· ويقول فيه (5/ 247-248) :
((ومما يدل على أن الصحابة لم يكفروا الخوارج : أنهم كانوا يصلون خلفهم،
وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة يصلون خلف نجدة
الحروري، وكانوا أيضا يحدثونهم ويفتونهم ويخاطبونهم، كما يخاطب المسلم
المسلم، كما كان عبد الله بن عباس يجيب نجدة الحروري لما أرسل إليه يسأله
عن مسائل، وحديثه في البخاري . وكما أجاب نافع بن الأزرق عن مسائل مشهورة
، وكان نافع يناظره في أشياء بالقرآن، كما يتناظر المسلمان.
وما زالت سيرة المسلمين على هذا، ما جعلوهم مرتدين كالذين قاتلهم الصديق
رضي الله عنه. هذا مع أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتالهم في
الأحاديث الصحيحة، وما روي من أنهم " «شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتيل
من قتلوه» " في الحديث الذي رواه أبو أمامة، رواه الترمذي وغيره . أي أنهم
شر على المسلمين من غيرهم، فإنهم لم يكن أحد شرا على المسلمين منهم: لا
اليهود ولا النصارى ; فإنهم كانوا مجتهدين في قتل كل مسلم لم يوافقهم،
مستحلين لدماء المسلمين وأموالهم وقتل أولادهم، مكفرين لهم، وكانوا متدينين
بذلك لعظم جهلهم وبدعتهم المضلة.
ومع هذا فالصحابة رضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسان لم يكفروهم، ولا
جعلوهم مرتدين، ولا اعتدوا عليهم بقول ولا فعل، بل اتقوا الله فيهم، وساروا
فيهم السيرة العادلة)) .
فهنا ينقل إجماع الصحابة والتابعين على عدم كفرهم ، ويستدل لذلك .
· وفيه (7/ 405-406) : ((وأما
علي فإنه لم يعمل بموجب هذه النصوص، بل كان يجعلهم مؤمنين مسلمين، وشر من
قاتلهم علي هم الخوارج، ومع هذا فلم يحكم فيهم بحكم الكفار، بل حرم أموالهم
وسبيهم، وكان يقول لهم قبل قتالهم: إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا،
ولا حقكم من فيئنا، ولما قتله ابن ملجم قال: إن عشت فأنا ولي دمي، ولم
يجعله مرتدا بقتله))
· وفيه (5/ 11-12) : ((وهؤلاء
الخوارج كانوا ثمان عشرة فرقة؛ كالأزارقة أتباع نافع بن الأزرق ، والنجدات
أتباع نجدة الحروري ، والإباضية أتباع عبد الله ن إباض ، ومقالاتهم وسيرهم
مشهورة في كتب المقالات والحديث والسير، وكانوا موجودين في زمن الصحابة
والتابعين يناظرونهم ويقاتلونهم، والصحابة اتفقوا على وجوب قتالهم، ومع هذا
فلم يكفروهم ، ولا كفرهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وأما الغالية في علي رضي الله عنه فقد اتفق الصحابة وسائر المسلمين على
كفرهم، وكفرهم علي بن أبي طالب نفسه وحرقهم بالنار. وهؤلاء الغالية يقتل
الواحد منهم المقدور عليه، وأما الخوارج فلم يقاتلهم علي حتى قتلوا واحدا
من المسلمين، وأغاروا على أموال الناس فأخذوها، فأولئك حكم فيهم علي وسائر
الصحابة بحكم المرتدين، وهؤلاء لم يحكموا فيهم بحكم المرتدين.
· وفي مجموع الفتاوى
(7/217-218) : ((والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالا للأمة وتكفيرا
لها ، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم : لا علي بن أبي طالب ولا غيره ، بل
حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين ، كما ذكرت الآثار عنهم
بذلك في غير هذا الموضع)) .
فمن نظر في هذه النصوص المتناقضة عن شيخ الإسلام : في حكاية الاختلاف في
تكفير الخوارج ، وحكايته عن الصحابة ، بل في تسويغه مرة ، بل الميل إلى
ترجيح تكفيرهم ، ثم إلى حكاية إجماع الصحابة على عدم كفرهم ، وإلى تأكيد
هذا الإجماع ، والرد على استدلالات تكفيرهم .
هل يمكن أن يكون ذلك إلا اختلاف اجتهاد ، من التكفير إلى عدمه ؟!
الوقفة الثالثة : أنا أستغرب ممن استنكار تَغيُّر الاجتهاد في
التكفير عند شيخ الإسلام ابن تيمية خاصة ، وكأن تغيّر الاجتهاد في ذلك عار
يجب تنزيهه عنه ، أو كأنه نوع من الخطأ لا يقع من العلماء !! أو كأن شيخ
الإسلام ابن تيمية معصوم مما لا يعصموا منه بقية العلماء سواه !!
ألم يحكوا الاختلاف عن السلف وعن أئمتهم كالإمام أحمد في تكفير عدد من
المقالات وأتباعها ، وجعلوا بعضها روايتين عنه . وكذلك غيره من الفقهاء
والأئمة ، لا يأنفون أن يحكوا عنهم مذهبين في بعض مسائل التكفير .
فلماذا إذا جئنا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية خاصة نفوا ذلك عنه ؟! وهو
موجود عنه (كما سبق) ، وفي نقل أحد أعرف الناس به ، وهو الإمام الذهبي .
لقد بدأ شيخ الإسلام بالإفتاء والتأليف منذ كان عمره تسعة عشر عاما (كما
في العقود الدرية لابن عبد الهادي 9، 32) ، واستمر بالتأليف والإفتاء إلى
أن توفي عن سبع وستين سنة . فهل يمكن أن يكون ابن العشرين هو نفسه ابن
الستين ؟! أي غلو هذا ؟!!
وخلال هذا العمر كان شيخ الإسلام ابن تيمية كل يوم يزداد علما ، ويزداد
تنقيحا ، فكيف نستبعد عليه الاختلاف في التصورات والتحرير ، حتى في مسائل
التكفير ؟!
وخلال هذا العمر الحافل بالعطاء ، كان حافلا أيضا بكثرة النقاش والجدل
والمعارك العلمية التي خاضها شيخ الإسلام مع مخالفيه ، وفيهم كبار أئمة
عصره ، فكيف لا يستفيد من تلك النقاشات ما يمكن أن يُغيّر رأيه ؟!!
وكم من مسألة تغير رأيه فيها من مسائل الفقه ، حتى إنه ربما لم يرتض
تأليفا قديما له ، كما حصل في منسك حجه القديم والجديد . فكيف نستكثر عليه
تغير رأيه في مسائل عمتها الأغلاط والمعارك العقائدية قبله بقرون ، وكثر
الخوض فيها ، وتعصبت فيها الفرق ، وصار الكلام فيها من أكثر الأمور التي
تتساقط فيها زلات العلماء وتكثر فيها أخطاؤهم .
لذلك كله : لا أعلم داعيا لنفي هذا الأمر عن شيخ الإسلام ابن تيمية ، إلا
أن يكون من باب الغلو فيه ، أو لكي لا تُطرح مسألة تغير اجتهاده فيما لو
احتج أحدٌ برأي له في التكفير ، يخالفه قول آخر له ؛ لكي تبقى آراؤه
التكفيرية التي ربما كان تراجع عنها موضع حجة عند التكفيريين ، دون مراعاة
خلافه هو لها ، ودون مراعاة احتمال رجوعه عنها .
لذلك أعود وأكرر ما كان قد ذكره الإمام الذهبي ، وهو الظن بشيخ الإسلام
ابن تيمية : أنه لا بد وأنه قد تراجع عن كل أو غالب التكفير غير المنضبط ،
وأنه استقر على عدم تكفير أحد من أهل القبلة .
رحمه الله ، ورحم جميع علماء المسلمين .
الشيخ الشربف حاتم العوني.
تاريخ النشر : 1435/11/22 ه
تاريخ النشر : 1435/11/22 ه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق