الاثنين، 29 سبتمبر 2014

الغنوشي: الدعوة للوفاق ضرورة وطنية وشجاعة سياسية

تونس-الشروق:
تنطلق حركة النهضة بحظوظ مهمّة في السباق التشريعي وما من شكّ في أنّ موقفها النهائي من الرئاسيّة سيكون له تأثير في هويّة رئيس تونس القادم، الغنوشي يُدافع عن رؤية متكاملة لتجنيب البلاد ما قال عنه مغامرة سياسيّة جديدة، وهو يستحضر مسؤوليّة حركته في تشييد لبنات المستقبل وفي إنجاح التجربة التونسية في الوفاق والانتقال السياسي والتي بات العالم مثمّنا لها خاصة وهي على أبواب مرحلتها النهائيّة للاستقرار ووضع أسس لمؤسّسات حكم دائمة....ما يلي نص الحوار مع الأستاذ راشد الغنوشي:
----
- الحدث هذا الأسبوع إعلان النهضة عن برنامجها الانتخابي، كيف تقدمون البرنامج ؟


البرنامج الانتخابي هو ثمرة عمل معمق شارك فيه مئات الخبراء والمختصين في السياسة والاقتصاد والشؤون الاجتماعية والتربوية والثقافية. وهو يرتكز على قراءة نقدية لتجربتنا في الحكم في إطار الترويكا، وتجارب الحكومات المتعاقبة بعد الثورة، وإصغاء للمواطنين والمواطنات في أرض الوطن وفي الخارج، للوقوف على المشاغل وضبط الاحتياجات والتطلعات، بواقعية وصدق، وفي تناسب مع قدرات الدولة ، والبرنامج جاء وفق دراسة علمية موضوعية لواقع التنمية، استفدنا فيها من الكفاءات الأكاديمية وأيضا من الخبرة التي اكتسبها أبناء النهضة في الحكم، وهو أمر لم يكن متاحا لنا بالقدر الكافي عند إعداد برنامج 2011.

-يعني لكم برنامج جديد..ما هي أبرز عناوينه ؟
برنامجنا الانتخابي هذه المرّة يجمع بين الطموح والواقعية، ويستهدف كل الشرائح الاجتماعية، فهو موجه للطبقة المتوسطة والفئات محدودة الدخل، والشباب والمرأة ورجال الأعمال، والطبقة الشغيلة ...وان اخترنا هدف "الاقتصاد الواعد والبلد الآمن" فلأننا ندرك جيدا أنّ ما أنجزناه منذ الثورة في المجال السياسي يجب ان يشجعنا على ان نهتم الآن بالرفاه الاقتصاد والاجتماعي للتونسيين، وبضمان الأمن والاستعادة الكاملة لهيبة الدولة، وحسم المعركة ضد الإرهاب التي بدأتها حكومة لعريض.
الرفاه والأمن هما أولويتا المرحلة القادمة انطلاقا من دعوتنا المتواصلة للوفاق والوحدة الوطنية وتوسيع قاعدة الحكم، لتجنب ثنائية سلطة معارضة، تعيد البلاد الى مربع الاحتقان والتجاذب. نريد ان تنطلق بلادنا وقواها الحية مجتمعة من تحقيق الحرية إلى تحقيق الإزدهار.
النهضة طرحت رؤيتها، وهي مستعدة لنقاشها وتطويرها، وطرح البرنامج الانتخابي هو رسالة قوية للأطراف السياسية الأخرى، بأننا نريد صراع برامج، يفضي الى بلورة شراكة سياسية مستقرة، لا توافقات مغشوشة لتقاسم السلطة، أو "مشروع اقتتال سياسي" يمزق وحدة التونسيين.

- أسابيع قبل الانتخابات التشريعية ارتفعت حرارة الخطاب السياسي ، ألا تتخوفّون من انحدار المشهد إلى استقطاب جديد؟.
من الطبيعي ان تقترن الحملة الانتخابية بتجاذبات سياسية، والتنافس الانتخابي بكل مظاهره شيء عادي، في الأنظمة الديمقراطية المستقرة.
لكن في تونس لسنا في نظام ديمقراطي مستقر، بل في عملية انتقال ديمقراطي لا يمكن ان تدار بمنطق الأقلية والأغلبية.الانتخابات الماضية علمتنا ان ثنائية سلطة ومعارضة، تفرز وضعا هشا، يعيق التنمية، بل ويضعف مناعة الجسم السياسي نفسه، ويجعله معرضا للازمات التي لا تؤثر فحسب في الحاكم بل في معارضيه أيضاً. بإمكانك ان تسأل ماذا غنمت المعارضة من خروج الترويكا من الحكومة؟ ، لا اعتقد انها غنمت الكثير، والدليل من يقول للشعب انه سيخوض الانتخابات القادمة ليمنع النهضة من العودة إلى الحكم، ولحماية المجتمع ومكاسب الحداثة ... ليخفي عجزه عن تطوير رؤية للحكم تقنع الشعب.
يضاف إلى ذلك التشتت وتفجر التحالفات التي كان هدفها الوحيد تشكيل جبهة معادية للنهضة وليس بناء بديل ديمقراطي قادر على التداول السلمي على السلطة.

- بصراحة أستاذ راشد ، هل انتهى شهر العسل بينكم وبين الباجي قائد السبسي ؟.
أولا أنا حريص على ان تكون علاقتنا جيدة بكل مكونات المشهد السياسي وخاصة الأطراف التي جمعتنا مسيرة النضال المشترك ضد الدكتاتورية، ولا يجب ان تؤثر الاجتهادات السياسية لا على علاقاتنا الإنسانية، ولا على نظرتنا للوفاق الوطني . لم اشعر يوما مثلا بان حسابات السياسة اثرت في علاقتي بأحمد نجيب الشابي أو مصطفى بن جعفر وكل الآخرين. وحتى من تهجم عليّ ودعا لقتلي في وقت من الأوقات مثل سمير بالطيب لا اشعر تجاهه بحقد، بل أسقطت القضية التي رفعتها ضده.
في خصوص سي الباجي انا لم أتأخر في تلبية دعوته للحوار، وذهبت الى باريس من اجل ذلك رغم نُصح كثيرين لي بالعدول عن الفكرة حتى لا يُساء تأويلها في ذلك الظرف، ويُفهم منها أنّ النهضة في مأزق وتبحث عن منقذ او مخرج بكل السبل. الأحداث بعد لقاء باريس أكدت اننا كنا نسعى للوفاق وليس لعقد صفقات لتقاسم السلطة.

إذن لا توجد قطيعة مع السبسي ؟.
أبدا أنا أتكلم معه، وهو صديق ولم يصدر منه ما يسيء لي. ويوم أمس أوضح في حواره مع "موزاييك" انه لم يقصد بعبارة "الإسلام السياسي"، في خطابه الأخير حركة النهضة بل أنصار الشريعة والمتطرفين، وانا سعيد جداً بهذا التوضيح، الذي يمنع ذوي النفوس المريضة والاستئصاليين من تحريف كلامه واستغلاله لتسميم الأجواء في البلاد.
علاقتنا أساسها الاحترام، مع وجود تباين في بعض المواقف وهذا عادي. للأسف جهات عديدة راهنت وتراهن على توتير العلاقات بين الاحزاب والشخصيات الوطنية، او إخراجها من سياقها، بإثارة شبهات حول صفقات مزعومة مع سي الباجي ومع الأستاذ الشابي ومع الرئيس المنصف المرزوقي وغيرهم.

ما تعليقك على ما قاله عمر صحابو في خصوص السبسي؟.
لا يعاب الإنسان لمرضه او لسنه ، التعيير بالسن نوع من أنواع التمييز ، ولكن تقديم شهادة طبية للمترشحين لرئاسة الجمهورية ليس عيبا فالسلامة الصحية والكفاءة العقلية والنفسية مطلوبة.

- البعض يرى ان مبادرة الرئيس التوافقي مناورة لقطع الطريق أمام فوز بعض المرشحين برئاسة الجمهورية؟.
منذ البداية أوضحنا انها لا تستهدف اي طرف، وهو ما أكدته في أكثر من مناسبة. لو كانت النهضة تسعى كما ترى لقطع الطريق أمام اي مرشح ، فلماذا كانت مثلا الطرف الوحيد الذي عارض وضع حد 75 سنة للترشح في الفصل 73 من الدستور، الذي اسقطته كتلة النهضة رغم شبه الإجماع على تمريره.

- هل ندمتم على موقفكم من الفصلين 73 و 167 خاصة وانكم دفعتم بقوة في اتجاه إسقاط السقف العمري وقانون العزل السياسي؟.
هو موقف مبدئي وليس مصلحيا او متسرعا. نحن ضد الإقصاء، ومع ضمان الحق في الترشح لكل التونسيين. الإقصاء وقوانين العزل السياسي أضعفت ثورات عديدة، وقسمت المجتمعات ، والنهضة اختارت منذ انهيار النظام البائد ان تكون قوة وسطية تمنع عودة النظام القديم، ولكن أيضاً تحول دون سقوط البلاد في الفتنة والتشفي والانتقام والثأر.
وانا استغرب الان كيف تُقابل يد النهضة الممدودة بالدعوة للوفاق بدعوات تقسيم المجتمع الى حداثيين، وظلاميين، وديمقراطيين ورجعيين، وكأن من يطلقها لم يستوعب بعد دروس الماضي، ولا يملك بالتالي رؤية إيجابية للمستقبل. وعلى كل انا على ثقة في ان النخبة السياسية لن تسقط في هذا الفخ، وهذا ما أكده سي الباجي يوم أمس.

- وزراء سابقون في حكومات بن علي يترشحون للانتخابات، البعض يرى في ذلك تهديدا للثورة والانتقال الديمقراطي؟.
انا صرّحت مؤخرا أنّ من دخل تحت طائلة الدستور فهو ينتمي إلى الثورة وهذا هو الأمر المنطقي، اليوم هناك دستور وقوانين لتنظيم الانتخابات والحياة السياسيّة وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
حين رفضنا الإقصاء كنا على وعي بمخاطره، ولكن على ثقة بأنّ الصنم سقط ولن يعود وان الشعب التونسي لن يسمح بعودة الاستبداد والفساد والحزب الواحد والقمع والتعذيب. الثورة أسقطت كل أشكال الوصاية على الشعب والانتخابات القادمة ستثبت باذن الله، قدرته على التمييز بين الغث والسمين.

- ألا يُعتبرُ هذا الموقف ضوءا أخضر للدساترة والتجمعيّين؟.
نحن لم نتعامل بالثأر مع الدساترة برغم ما لحقنا منهم ، تونس للجميع ولكل من آمن بالثورة وانخرط في العمليّة السياسيّة الديمقراطيّة ، وقد عارضنا في النهضة الإقصاء او العزل السياسي.
انا شخصيا كنت ضد حل حزب التجمع ، لكي يتسنى لنا هزمه في الانتخابات ، أنا كنت على يقين بأنّه لم يكن حزبا بل مجرّد آلة تملكها الدولة.

- إصراركم على الوفاق الوطني يفسره البعض بتخوفكم من المحاسبة، إن خسرتم الانتخابات، أو لرغبتكم في محو سجلكم في الحكم؟.
سمعنا هذا الكلام في بداية الحوار الوطني، حين زعم البعض أن النهضة تتفاوض على المخرج الآمن، وزعم البعض الآخر اننا سنرفض مغادرة الحكومة خوفا من المحاسبة. ولكن ماذا حدث؟ هل عقدنا صفقة مع اي طرف؟ هل تمسكنا بالحكومة وواجهنا الشارع بشارع اكبر منه؟ لقد انخرطنا في الحوار الوطني على أساس تكامل المسارات اي استقالة الحكومة بعد المصادقة على الدستور، والتوافق على رئيس حكومة توافقي، وانتخاب هيئة الانتخابات. وفي المحصلة النهضة ضحت بالحكومة ولكن بعد وضع تونس على سكة الانتخابات .
حرصنا على الوفاق بعد الانتخابات مبعثه اقتناعنا جميعا بان البلاد لا تحتمل مغامرة سياسية جديدة، وصراعات بين سلطة ومعارضة. الاقتصاد الوطني في حالة صعبة، والحرب العالمية على الإرهاب تحتاج تقتضي استقرار تونس، وقوة الدولة، والدستور يحتاج حالة وفاقية مجتمعية لتجسيم بنوده حتى لا تبقى حبراً على ورق.
الدعوة للوفاق نعتبرها ضرورة وطنية وشجاعة سياسية، اما خطاب الشحن والتحريض فهو علامة إفلاس سياسي.

- ....وماذا عن فشلكم في الحكم؟.
الفشل والنجاح مسالة نسبية، وهي مرتبطة بجدية التقييم وموضوعيته، ودون الدخول في التفاصيل أسجل ثلاث ملاحظات على غاية الأهمية:
- حصول النهضة على الأغلبية أثمر فترة انتقالية ثانية ناجحة ، أنجز فيها دستور الثورة، وتوجهت البلاد إلى انتخابات في كنف حكومة مستقلة وفاقية. كل التجارب الأخرى اما انتكست أو تعثرت، وتحول الحلم العربي إلى كابوس مخيف، وتحولت الثورة التونسية إلى استثناء.
- أولوية المرحلة الماضية جعل المشغل السياسي يحتل الأولوية، لان التنمية والاستثمار تحتاج وضعا مستقرا ودائما ، وهذا ما اضعف جهد التنمية رغم الإنجازات التي لم تجد حظها من التعريف، ورغم النجاح التاريخي لحكومة الترويكا في الحفاظ على وحدة الدولة والمجتمع، وإعادة الاعتبار إلى حد كبير لهيبة الدولة، وطبعا ما اعتبره نجاحا كبيرا هو استعادة المؤسسة الأمنية ثقتها في نفسها بعد أشهر من محاولات الإرباك، ويكفي مقارنة وضع المؤسسة الآن بوضعها في الأسابيع والأشهر الأولى بعد الثورة لندرك الفرق .
- الدكتاتورية أغلقت أبواب لا المشاركة في الحكم فقط بل الإدارة أمام معارضيها وخاصة من النهضويين، وهو ما وضع الإدارة وطبعا الحكومة في امتحان صعب، هو كيف نحافظ على توازن الإدارة، وتحقيق أهداف الثورة والقطع مع منظومة الاستبداد. رؤية النهضة كانت واضحة وهي رفض الاجتثاث والتصفية الجماعية لكوادر الدولة، واعتماد سياسة في إبعاد من ثبت فساده وتورطه مع منظومة الاستبداد، وتطعيم الإدارة بالكفاءات الوطنية التي تم تهميشها قبل الثورة لاعتبارات سياسيّة.

هل كانت النهضة ضحية حليفيها في الترويكا؟.
لا نعتبر ذلك خطأ بل هذا أهم ما في التجربة التونسية لأنّه تعايش بين العلمانيين والاسلاميّين ومشاركة بينهما وهذا استثناء في عالمنا العربي ، نتائج الانتخابات حكمت أيضا بذلك ، الشعب هو الذي اختار المؤتمر والتكتّل ، هذه التجربة فيها فرادة وإبداع تونسي.

-يعني من الممكن أن تتواصل الترويكا؟
جوهر الفكرة سيستمر ، ونحن مقتنعون بأنّ تونس ما تزال في حاجة لمرحلة انتقالية ثالثة وهي لا بمكن أن تعيش بمنطق الديمقراطيات الكبيرة ، التجربة الديمقراطية في تونس تجربة ناشئة ولا بد لها من مزيد الوقت كي تستقر، منطق الأغلبية لا يصلح في تونس بل الوفاق هو الحل والتوافق هو اقل درجات الإجماع.
نحن نريد أن نصل الى حكم قاعدته واسعة ، أدناها الثلثين او اكثر ، حتى يكون الحكم مستندا إلى عصبية قوية فالمرحلة القادمة فيها تحديات كبيرة والملفات والقضايا والاصلاحات الكبرى لا بد لها من توافق.
تحالف بين ثلاثة او أربعة أحزاب قوية ومعهم اتحاد الشغل واتحاد الأعراف لتكوين حكومة قويّة تُنجح المسار نحو التنمية والازدهار.
شعار الوحدة الوطنيّة الذي كان يُفرضُ فرضا في السابق يجب أن يتحقّق بالوعي، وعلينا جميعا أن نشعر بعظمة الإنجاز الجماعي للتجربة التونسيّة التي نجحت في حل مشاكلها بالكلام والحوار والتوافق والتنازل لا بالصراع.

- هل يُمكن التحالف مع الدساترة ؟
صناديق الاقتراع هي التي ستحكمُ ، لقد التقينا في الحوار الوطني وجلسنا مع كل الأحزاب دون استثناء. اليوم كل من يؤمن بالدستور يمكن التحالف معه.

هل تعتقد ان النهضة هي الأولى؟
نعم هذا اعتقادي. في تقديري أنّ الشعب التونسي لا يغيّر رأيه بسرعة وحتى الجزء الغاضب وعدم الراضي على أداء النهضة فهو يلتمسُ لها الأعذار.

من ستدعم النهضة في الرئاسيّة ؟.
صدقا ، ليس لنا الآن أي اسم ، وأقولها بوضوح "ليس للنهضة مرشح ستخرجه في وقت لاحقا" لاننا لا نريد الهيمنة على الحكم، وحين دعونا الى حكومة وحدة وطنية، وأكدنا مرارا ان تونس لن تحكم بأغلبية الخمسين زائد واحد، فغايتنا كانت توجيه رسالة الى الشعب التونسي، بان الهدف ليس الحكم وإنما خدمة الناس وحماية الثورة والحرية من عودة الاستبداد او الذهاب للفوضى ورسالة للأطراف السياسية الأخرى بان الوقت الذي قد يُضاع في المهاترات والتحريض والشحن، يجب إنفاقه في تدعيم روابط الوفاق واللحمة بين التونسيين .
نحن حريصون على أن لا يهمن حزب واحد على السلطة ، وعدم ترشحنا للرئاسية هو جزء من هذا المنهج ، الشعب التونسي قام بعملية فطام على الحزب الواحد والزعيم الواحد ، ويجب أن نتعود على التعددية توزيع السلطة ، نحن في النهضة كبحنا جماح أنفسنا.
نحن ننتظر صدور القائمة النهائية للمترشحين ، ولسنا على عجل وليس هناك ما يضطرنا لإعلان من سندعم قد يكون ذلك بعد نتائج التشريعية ، كما أنّ فرضيّة البقاء على الحياد تبقى قائمة.

هل من الممكن دعم المرزوقي ...؟
ليس لدينا "فيتو" على أي مرشح، ولم نتخذ إلى غاية الآن قرارا بدعم اي مرشح. وفي كل الحالات يبقى رئيس تونس القادم نتيجة اختيار شعبي في انتخابات حرة وشفافة وديمقراطية، لان التوافق لا يعني إلغاء صندوق الاقتراع.


- دعوتكم لحكومة وحدة وطنية بعد الانتخابات، ولرئيس توافقي، ماذا بقي من الاختيار الحر للشعب؟.
الشعب يريد نخبة سياسية ناضجة ومتضامنة وليس نخبة متصارعة على الكراسي والمناصب. تونس ليست كعكة قابلة للاقتسام، هي وطننا جميعا، وهي ثورتنا، وهي نموذجنا الذي أبهر العالم. نحن لا ندعو الى مصادرة حق الاختيار، ولا نخشى خسارة الانتخابات ، ولو كان ذلك صحيحا لما بادرنا الى عدم الترشح للرئاسية. هاجسنا هو ان يدرك السياسيون، ان الاقتصاد لن يحتمل المزيد من التجاذبات ، وان الشباب العاطل المهمش الذي يشعر ان الثورة سرقت منه، لن يبقى على الحياد طويلا، وان الارهاب الشرير، الذي استفاد من الاحتقان السياسي سابقا ليسدد ضرباته الجبانة، يتمنى أن يرى النخبة غارقة في الصراعات، والدولة مشلولة، المستثمر الأجنبي لن يقبل بالتعامل مع نظام سياسي غير مستقر . هل تعي النخبة هذه الرهانات؟.
على كل نحن في النهضة واعون بها، وبغيرها، وهذا الوعي هو المحرك الأساسي لطرحنا الوفاقي.

- الواضح أستاذ راشد ، أنّ تجربة الحكم دفعتكم الى المزيد من الواقعية؟.
ان تكون لك القدرة على استخلاص الدروس، وإدراك حقيقة موازين القوى، واتخاذ القرار المناسب الذي يحقق المصلحة الوطنية، فذلك دليل على انك مؤهل للحكم، وأنك تفكر بمنطق الدولة، لا الأيديولوجيا او الحزب. واقعية النهضة ليست جديدة، وجنبت البلاد دائماً الفتن. كان من الممكن أن تتحول معركتنا مع الدكتاتورية إلى حرب أهلية في التسعينات، كما حدث في دول عربية عديدة. نفس الشيء في الربيع العربي الاستثناء التونسي صنعته النهضة، مع فرق جوهري هذه المرة وهي وجود أطراف سياسية ومدنية مسؤولة أنجحت معنا الحوار الوطني. في التسعينات كان النظام أحمقا ومتغطرسا وتصور انه سيقهر التونسيين بكسر حركة النهضة. ولكن ما حدث والحمد لله هو العكس. الشعب طرد المخلوع والنهضة عادت من الباب الكبير، وستبقى بإذن الله الأخ الأكبر للعائلة الذي يضحي من اجل الآخرين، ويقدم مصلحة شعبه على مصلحته الخاصة، ويعتبر الحفاظ على الحرية لكل التونسيين معركته الأساسية.

- كأنك تنفي أستاذ راشد اي تطور في موقف النهضة وخاصة في اتجاه ما بات يعرف ب"التونسة"؟.
لا احد يحزن حين يرى الآخرين ينظرون إليه نظرة إيجابية. ولكن لا يعني ذلك اننا نوافق على تقديم النهضة وكأنها "مولود جديد" نتيجة ضغط الواقع او كمناورة ظرفية.
النهضة نبتة أصيلة لم ينجح الاستبداد في اجتثاثها. المخلوع جند آلة اعلامية وسياسية ضخمة وأنفق مئات المليارات، ليشوهنا وليقنع العالم بأننا حركة ارهابية متطرفة، ولكنه فشل فشل ذريعا.
للاسف جزء من هذا الشبكة يعاد توظيفه اليوم في نفس المعركة الخاسرة. في تونس كانت كتبي ممنوعة، ومن كان يقدم 5 دنانير لعائلة سجين نهضوي كان يذهب للسجن، لم يكن حصارا بل محاولة لمحو اسم النهضة من تاريخ تونس ولكنها فشلت ، من يتحدث عن "تونسة" النهضة، أدعوه ليسأل نفسه من باب الأمانة على الأقل، لماذا سجن الآلاف من أبناء النهضة، وعذبت عائلات وسقط عشرات الشهداء، وحرم مئات الآلاف من العمل وخضع عشرات الآلاف للرقابة الإدارية؟ هل كان ذلك من اجل الحرية والديمقراطية ، أم لإقامة دولة دينية متطرفة؟، ومن يحاول اليوم اعادة اكتشاف شخصية الغنوشي أليس حريا به أن يسأل متى تحدث عن علاقة الإسلام بالديمقراطية والمواطنة وحقوق المرأة، والتعايش بين العلمانيين والإسلاميين ؟ ، ومن يروج لوجود صراع بين حداثيين ورجعيين، ويخوّف من المشروع الإسلامي ذو الأبعاد السياسية، كيف لا يسال نفسه عن جذور الفكر الإصلاحي التحديثي التونسي، وهل كان معادياً للدين ام ثمرة حركة اجتهادية إصلاحية قادها رموز التنوير الديني في تونس والعالم الإسلامي في القرنين التاسع عشر والعشرين؟.
نعم النهضة تتطور وتتفاعل مع الواقع ولكن في إطار ثوابت لم تحد عنها يوما، وهي الطابع المدني الديمقراطي، والدفاع عن التعايش بين الإسلاميين والعلمانيين ، والالتزام بالدفاع عن حق الاختلاف والمكاسب الحداثية للمجتمع التونسي وفي مقدمتها مجلة الأحوال الشخصية، وطبعا تجريم العنف بكل أشكاله وتجلياته.

- مواقفكم أصبح فيها الكثير من الليونة ، من ذلك التحوّل في الموقف من الزعيم الحبيب بورقيبة؟.
نشأتُنا كانت مرتبطة بردّة فعل على مناهج كانت تسعى لقطع تونس عن عالمها العربي والإسلامي وإلحاقها بالغرب، كانت هناك فعلا مشكلة هويّة ونحن حينها طرحنا بحدّة موضوع الهويّة.
وبورقيبة هو دون شك زعيم سياسي كبير ولكن لا يجبُ الخلط بين موقفه من الدين والهويّة وبين إسهامه في الحركة الوطنية وتحرير البلاد وبناء الدولة.
اليوم لم تعد قضية الهوية مطروحة وقد حسم الدستور ذلك بتوافق واسع ، والمهم عندنا هو حماية الحريّة الشخصية وغيرها من الحريات ، ونحن في النهضة أكثر ليبراليّة من غيرنا فقد حرصنا على أن لا تتدخّل الدولة في المسائل الخاصة للناس من اعتقادات ولباس أو ارتياد المساجد أو الحانات عكس غيرنا الذي ما زال يسعى لفرض سلوكات خاصة على الناس او إدانة سلوكات أخرى، وهذا الأمر مرفوض لأنّ الحريّات الفرديّة والشخصيّة مقدّسة ما لم تضر بالآخرين.

- في أي إطار تضعون زيارتكم الأخيرة للصين ؟.
هي زيارة تاريخية وإستراتيجية، غايتها الأولى والأخيرة مصلحة تونس وحشد الدعم الدولي لثورتنا وحكومتنا، وتجربة انتقالنا الديمقراطي ، تلقيت دعوة رسمية من الحزب الشيوعي الصيني، وكانت زيارة ناجحة، جدد فيها أصدقاؤنا الصينيون دعمهم لتونس وثورتها ورغبتهم في مواصلة الارتقاء بعلاقات التعاون الاقتصادي بين البلدين.
لقد حرصنا في كل جولاتنا الخارجية على حشد الدعم لبلادنا لأننا ندرك ان التعريف بخصائص بلادنا الاستثمارية، ومقومات انتقالها الديمقراطي، وما أثمره الوفاق الوطني في بلادنا من توافقات، مسؤولية الجميع.
وأوجه بالمناسبة اخلص عبارات الشكر، لأصدقائنا الصينيين في الحزب والحكومة، والفعاليات المدنية، لما وجده وفد حركة النهضة من حفاوة الاستقبال، وكرم الضيافة، معبرا عن اعتزازنا بما لمسناه في مختلف المقابلات التي أجريتها والأنشطة المدنية والعلمية، التي قمت بها من إعجاب كبيرا بالتجربة التونسية، وتفاؤل بمستقبلها الواعد باذن الله.

- وماذا عن دوركم في الملف الليبي؟.
لنا اتصالات واسعة مع كل الأطراف الليبية المتنازعة ، فعدد كبير من القيادات الليبية اليوم كانوا معنا في المهجر، ونحن نتحسس الساحة وقد نُعلن قريبا عن ندوة مصالحة بين الفرقاء الليبيين ، وزيارتي الأخيرة الى الجزائر كانت للتشاور حول الوضع في ليبيا، فالجزائر حريصة على انجاح المصالحة بين الفرقاء في ليبيا وتأمين وحدة البلاد.

- في الختام أستاذ راشد ، ماذا عن المستقبل؟.
مشرق بإذن الله. لقد حققنا جزءا من الحلم بإزالة نظام الدكتاتورية، ثم بكتابة دستور الثورة ، ونحن نمضي لإقامة نظام سياسي قار ومستقر ونكون بذلك قد أنجزنا الجزء السياسي. ويبقى أمامنا التحدي الاقتصادي والاجتماعي، فالثورة كانت ضدّ الفقر وغياب التنمية والبطالة والفساد ، وعلى النخبة ان تعي ذلك وأن تتوجّه الآن لمواجهة تلك القضايا والمشكلات.
تونس مؤهلة لتكون دولة مسلمة ديمقراطية تنعم بالرفاه الاقتصادي والاجتماعي، اذا توفر المناخ السياسي الملائم، وغابت الفوضى واستعادت الدولة هيبتها، واهتممنا أكثر بالمؤسسة الاقتصادية، واحطنا بالطبقة المتوسطة والشباب والمرأة والفئات والمناطق المحرومة والمهمشة.
تونس اليوم هي الشمعة المضيئة الأخيرة في الربيع العربي، والشعب التونسي ذكي ووسطي ومعتدل يرفض الغلو، والتطرف يمينا او يسارا، ويميز بين الغث والسمين، وقد اثبت انه يريد من نخبته لغة البرامج، لا المزايدات والشعارات، والشتائم ومحاولات تشويه الخصوم.
نحن في حركة النهضة منحازون لشعبنا مستعدون دائماً للتضحية من اجل عزته ومناعته ورفاهه، واعون بانه ينتظر منا دعم الوفاق وتحقيق الرفاه واعترافا بالأخطاء في الحكم متى وجدت، والبديل لإصلاحها وتجاوزها، وهو ما فعلناه في اكثر من مناسبة، وطبعا الالتزام بحماية ثورته، وتحقيق أهدافها .
هذا التزامنا، وهذا عهدنا وهدفنا، وهذه هي الرؤية التي ندعو كل الأطراف السياسية والمدنية والاقتصادية للالتقاء حولها، دعوتنا أشقاء تونس وأصدقائها لدعمها والمساهمة الفاعلة في تجسيمها.
أجرى الحديث: سعيدة العامري وخالد الحداد وعبد الجليل المسعودي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...