الخميس، 21 أغسطس 2014

هل القرارات الأخيرة للحكومة(*) التونسية تعدّ حربا على الإسلام كما يقول البعض؟ (الجزء 3 والأخير)


القرار (3): قالوا أن الحكومة أوقفت عمل الجمعيات الخيرية والدعوية.
هذا القول أيضا ليس صحيح على إطلاقه فمئات الجمعيات بل الآلاف منها الخيرية والدعوية والعلمية مازالت تنشط وتشتغل في طول البلاد وعرضها دون أن تتعرض لسوء. ولكن بعض العشرات منها أوقفت تحت تبريرين اثنين كالعادة ثانيهما أكثر بطلانا من الأول وهو الاشتباه في تورطها في تمويل أعمال إرهابية وهذا عقاب بالشبهة لا معنى له والثاني وهو تبني بعض أفرادها للفكر "التكفيري". وقد علقنا على هذا التبرير سابقا. (أنظر التعليق على القرار رقم (2)).

القرار (4): قالوا أن الحكومة تعتقل المسلمين والمسلمات.
قامت الحكومة ممثلة في جهاز الشرطة باعتقال عدد من السلفيين والسلفيات تحت تبريرات كثيرة منها: الدعوة إلى العنف، التورط في أعمال عنف وحمل الفكر التكفيري.
أما التبرير الأول والثاني فهو أمر مشروع إن ثبت ذلك بأدلة يقينية ويبقى الأمر للقضاء وأما التبرير الثالث فقد علقنا عليه سابقا.
ولا ننسى أن نشير إلى إستغلال بعض عناصر الأمن وبعض القيادات المتحالفة مع طبقة المتنفذين القدامى في البلاد لذريعة الإرهاب لاعتقال عشرات الفتيان والفتيات بشبه واهية وأعذار باهتة ومن ثم محاولة التنفيس عن غضبهم في هؤلاء وتصفية حسابات بالشتم والسب والإيذاء اللفظي وربما الجسدي أحيانا. وقد يصل الأمر أحيانا إلى إهانتهم في دينهم والنيل من إلتزامهم.
صحيح أن أغلب هذه الإعتقالات العشوائية تنتهي بالإقراج عن المعتقلين ولكن بعد إن أمتلؤا غيضا وحقدا سيذهبون لينفثوه هنا وهناك ضد جهاز الشرطة ككل وضد الدولة بصفة عامة. ومن ثمَ تتسع الفجوة بين الدولة وهذه الفئة من المجتمع التونسي ليتأجج الدافع نحو الإرهاب والعنف ضد كامل مؤسسات الدولة بل وكل من وقف موقف المتفرج أو دافع عن ما في الدولة من حق وعدل. وليصبح كذلك بالنسبة للطرف الأخر –أقصد جهاز الشرطة- كل من دافع عن حرية المعتقد أو الفكر او حق السلفيين أو غيرهم في الوجود إرهابيا محتملا أو متسترا.

الخلاصة والحل.
الخلاصة أننا لسنا في حرب على الإسلام فهذه القرارات في أصلها كقرارات مجردة متفقة في غالبها مع كليات الشريعة الإسلامية وقواعدها. ولكن التنفيذ السيئ والمتعمد أحيانا لهذه القرارات واستغلال الحرب على الإرهاب ذريعة لضرب حرية المعتقد وحرية التعبير وحق التشاركية في إدارة الشأن العام هو الذي يعتبر خروجا عن أصول السياسة الإسلامية وعلى القانون الدستوري.
إننا في الواقع أمام تحدي صعب جدا فالخيط بين حريتي المعتقد والتعبير من جهة والتحريض على العنف والإرهاب من جهة أخرى خط رفيع ولكن يجب مراعاته وإلا ضرب البناء الهيكلي للدولة المنشودة وأُتي على قاعدتين من قواعدها ووئدت الثروة في مهدها.(****)
وكذلك مما يجب أن نقف له جميعا – أيها التونسيون- هو حملات التشويه المتعمد والتحريض المتبادل بين الإقصائيين من اليمين واليسار. فهذه معركة الكل خاسر فيها. ويجب العمل على إيقافها ومقاضاة كل من تورط في بثّ الإشاعات والأكاذيب لحمل المواطنين على كره بعضهم البعض.
وكذلك يجب الوقوف بقوة لكل من تورط في العنف وخاصة العنف المتعمد-سواء اللفظي أو المادي- ضد المواطنين الأبرياء من قبل الفاسدين من رجال الأمن –لا كثرهم الله- وندعو الدولة في هذا الصدد إلى إحالة من تورط في العنف على مجلس التأديب ليكون عبرة لغيره. فالشرطة تسمى في عرفنا الحاكم (يعني الدولة) وهي تمثل الدولة في الشارع فإن كان تمثيلا سيئا كما هو الحال اليوم فكيف سيقتنع الناس بضرورة احترامها؟ وإذا كان جهازها هو أول من يخترق القوانين ويجترئ عليها فيكف سننقع الآخرين بالتزامها؟ وإذا كانت الدولة تمارس الظلم والعنف ضد الأبرياء فكيف سنقنع الآخرين بسبيل الرفق والحوار؟؟ كذلك ندعوها لعقد دورات أخلاقية لأعوانها من جهازي الشرطة والحرس وبعث جوائز وحوافز للشرطي الخلوق.
وكذلك يجب الوقوف ضد كل من تورط في العنف أو الدعوة إليه من الإقصائيين كانوا سلفيين أو غير ذلك. و لو تلقي نظرة -يا رجل-على بعض صفحات الفايسبوك لإذاعات وقنوات محلية فستندهش من الكم الهائل من التحريض على السلفيين وعلى قتلهم من جهة وعلى أجهزة الدولة و"العلمانيين" من جهة أخرى. فالكل متورط ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وننصح الدولة بتغليب جانب العفو مع من لم يكن صاحب سوابق وتجنب أخذ الناس بالشبهات ودون أدلة.
ونصيحتنا للتونسيين مهما كان انتماؤهم للوقوف مع المظلوم مهما كان لونه. فلا يمكن لنا أن ننعم بالسلم والنماء والحرية مع الظلم والبغي. وأقترح أن نقوم بمؤتمر وطني حول العدالة وسبل تيسير النفوذ إلى القضاء حتى لا يبقى مظلوم دون حقه إذ صعوبة التقاضي وطول أجاله من أكثر الأسباب تعطيلا لإقامة العدل وإرجاع الحقوق في بلادنا ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.
***********
* قلنا حكومة ولم نقل دولة لأن الدولة مجموعة أجهزة وسلطات تمثل الحكومة السلطة التنفيذية منها فحسب وهي سلطة فرعية عن سلطة أصلية هي المجلس التشريعي. وليس للحكومة من صلاحيات إلا تنفيذ القوانين المصادق عليها من المجلس واحترامها. فلا تستطيع الحكومة الحل والربط إن لم تتابعها السلطة التشريعية في ذلك.
(**) التكفير من الناحية الدينية قسمين حق وهو تكفير من وقع في الكفر بعد إستيفاء الشروط وتكفير أثم بدعي غالي وهو تكفير بالشبهة وتكفير بالجملة وغيره. أما من الناحية السياسية فليس للدولة الحق في منعه أو التدخل فيه فهو ضمن حرية المعتقد.
(***) أنظر مقال لي بعنوان "بين يدي حادثة جامع عمر بن الخطاب سوسة"
(****) راجع مقال لي بعنوان " يزي م الظلم"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...